بين شرعنة الاحتلال وتجريم المقاومة

بقلم/ فرج بشير عيواز
تمرُّ علينا الذكرى السادسة والخمسون لجلاء القواعد العسكرية البريطانية عن تراب وطننا العزيز، مرورًا باهتًا وتجاهلًا بينًا، شأنها شأن غيرها من المناسبات الوطنية التي تجسد تضحيات الآباء والأجداد، حيث لم تعد تلك المناسبات تحظى بما تستحقه من اهتمام وتقدير من الجهات المختصة، مما ينم عن قصور في فهم الواقع المعيش.
ففي الثامن والعشرين من مارس 1970م، تم إجلاء قاعدة (العدم) العسكرية البريطانية والمتمركزة في مدينة طبرق، إيذانا بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي على تراب الوطن.
ذكرى وطنية تجسد سيادة الوطن واستقلاله، تمرُّ علينا مر السحابة، لا يستشعرها إلا عشاق الحرية، ولا يدرك عمقها إلا الذين آمنوا بأن حياة الشعوب والأمم ليست إلا سلسلة متلاحقة من الانتصارات والنكسات، تتعاقب فيها لحظات المجد والانكسار، لتصنع تاريخًا حيًّا زاخرًا بالتجارب.
ولا تقاس عظمة التاريخ بصانعيه فحسب، بل بأثره الخالد؛ فهو الرصيد الباقي للأجيال القادمة، والحافز لصنع مستقبل أفضل.
وليس مجرد خطأ أن نمرَّ على تاريخ بلادنا دون استحضاره، بل هو تقصير جسيم في حق تضحيات الآباء والأجداد، وتنكر لذاكرة وطنية تشكل أساس هويتنا ومستقبلنا.
ويعد التاريخ أحد معالم هوية الأمم ومكونًا أساسيًّا لعقيدتها الوطنية؛ فهو المرجع الرئيس لاستراتيجيتها العليا. فكل شعوب العالم المتحضرة تدرك هذه الحقيقة، ومن مظاهر تحضرها ورقيها هو اهتمامها بتاريخها الوطني، فمادة التاريخ الوطني مادة أساسية في كل مراحل التعليم العام والخاص، فلا يدرس بانتقائية وحسب الهوى والميول السياسية، كما توضع مناهج التاريخ بعناية وتحت رقابة دقيقة.
وكذلك وسائل الإعلام الرسمية التي تعبر عن سياسة الدولة، سواء المرئية أم المسموعة أم المقروءة، بالإضافة إلى الفن بكل أشكاله وأنواعه، تسخر لإبراز تاريخ الأمة وموروثها الحضاري والثقافي، واستحضار ذكرى أبطال قدموا لهذا الوطن بصدق وأمانة كل ما استطاعوا تقديمه في مختلف الميادين والمجالات؛ ويتم ذلك من خلال المقالات والتقارير الصحفية، والمسلسلات المرئية والمسموعة والأفلام والمسرحيات والبرامج الوثائقية، والأغاني والأناشيد الوطنية والرقصات الشعبية، والرسومات والمجسمات وأقواس النصر والنصب التذكارية، ولربما أشهر هذه النُصب، النَصب التذكاري للجندي المجهول، الذي يخلد -بشكل رمزي- كل أولئك الذين ضحوا من أجل الوطن، وتعذر أن تعرف هوياتهم وتذكر أسماؤهم.
والتجاهل ومحاولة طمس الحقائق، ليس بالغريب عن المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، وهو نتاج أهواء وأطماع شخصية، يحملها أصحاب القرار لمن سبقوهم في إدارة الدولة، وهؤلاء تنقصهم الخبرة والشعور الوطني، فالوطن لا يحتمل الصراعات بين ماضيه وحاضره لأن مستقبله مبني على الاثنين، فمن فقد الماضي فلا حاضر له، ولا مستقبل بدون حاضر.
وإذا كان تجاهل المناسبات الوطنية، وعدم استحضارها والتذكير بها، فعلًا مستغربًا فإن الأغرب من ذلك هو التصريحات التي تصدر عن بعض الشخصيات الاعتبارية في العلن، دون خجل أو استحياء أو خوف من ردة فعل المجتمع، والجهات المختصة، تجاه تلك التصريحات؛ حيث يرى أصحاب تلك الآراء أن الغزو والاحتلال أمر الطبيعي يجب التعايش معه والخضوع له وأن مقاومته جريمة ومخالفة شرعية.
فهناك من برر الغزو الإيطالي ليبيا 1911م ورآه أمرًا طبيعيًّا ومشروعًا، طالما أن إيطاليا دولة متقدمة والشعب الليبي متخلف، وكذلك طرد الجالية الإيطالية في 1970م رآه جريمة في حق الوطن، وبالأمس القريب تحيي إيطاليا أحد معالمها الاستعمارية في طرابلس، بحضور السفير الإيطالي وثلة ترتدي الزي العربي الليبي، مع صمت شعبي وحكومي، وكأنه إقرار بذلك.
ونحن هنا لسنا بصدد محاكمة الأشخاص ومحاسبتهم على أفكارهم ومعتقداتهم، وعزاؤنا في ذلك المثل الشعبي القائل: “العتب على النظر” وقد أشار الصادق النيهوم إلى ذلك في كتاباته، عندما رأى أن تحميل الأفراد المسؤولية عن معتقداتهم لوحدهم دون إشراك المجتمع في ذلك هو خطأ في حد ذاته، فالفرد هو نتاج أسرته وثقافة مجتمعه.
وفي الختام، إن إحياء المناسبات الوطنية يعدُّ واجبًا وطنيًّا مقدسًا، لصون الذاكرة الوطنية من الضياع والتزوير، وإذكائها في عقول أجيال المستقبل، وترسيخها كقيم ومبادئ لا يمكن التخلي عنها، ودروس مستفادة من الماضي.
فوجود القواعد الأجنبية على أرض الوطن، لا ينتقص من السيادة الوطنية فحسب، بل يمثل خطرًا حقيقيًّا، ويخلق توترًا وعداءً مع دول الجوار، فليبيا قبل طرد القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية من أراضيها كانت هدفًا محتملًا للصواريخ النووية السوفيتية، ما يشكل خطرًا مباشرًا على أمنها القومي.
والأحداث الجارية اليوم تثبت أن القواعد الأجنبية هي نوع من أنواع الاحتلال وانتقاص من السيادة وانتهاك للكرامة الوطنية، وخلق عداء وتوتر مع دول الجوار، ولذلك، علينا إحياء مناسباتنا الوطنية، وفي مقدمتها ذكرى طرد القواعد العسكرية الأجنبية عن تراب الوطن، لما لها من رمزية وطنية عظيمة في نفوسنا، وتعزيز لانتمائنا وافتخارنا بتاريخنا.
ولكي لا تسير الأمور بعشوائية وانتقائية حسب الميول والأهواء، في إحياء المناسبات الوطنية، ولكي لا يضيع تراثنا وتطمس هويتنا الوطنية، وتهضم حقوق رجال ضحوا من أجل الوطن؛ فعلى السلطة التشريعية التنسيق مع جهاز الأمن القومي ووزارات كل من التعليم والثقافة والإعلام والجهات الأخرى ذات العلاقة، لسن التشريعات ووضع القوانيين، التي تحفظ لتلك المناسبات حقَّها في العناية والاهتمام، والحفاظ على موروثنا الشعبي من السرقة والتزوير، صونًا للذاكرة الوطنية وحفاظًا على هويتنا الليبية، التي طالما نفتخر بتفردها وتميزها وتنوعها.
