ملفات وتقارير

28 مارس.. تاريخ يشهد على انتصار الإرادة الليبية وطرد الاستعمار البريطاني وبداية عهد السيادة الوطنية



متابعات/ الموقف الليبي
يُعدُّ الثامن والعشرون من مارس عام 1970 واحدًا من أهم الأيام في التاريخ الوطني الليبي الحديث، فهو اليوم الذي اكتملت فيه خطوة مفصلية على طريق استعادة السيادة الوطنية الكاملة، عندما غادرت آخر القوات البريطانية الأراضي الليبية بعد عقود من الوجود العسكري الأجنبي. وقد جاء هذا الحدث تتويجًا لنضال طويل خاضه الشعب الليبي دفاعًا عن حريته واستقلاله، ونتيجة مباشرة للتحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد عقب قيام ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969، التي جعلت من قضية الجلاء أولوية وطنية لا تقبل المساومة أو التأجيل.
إن ذكرى الإجلاء ليست مجرد مناسبة تاريخية تُستحضر في الذاكرة، بل هي محطة رمزية عميقة المعاني في مسيرة الكفاح الوطني الليبي، إذ تمثل انتصار الإرادة الشعبية على إرث الهيمنة الاستعمارية، وتجسد إصرار الليبيين على امتلاك قرارهم السيادي والتحكم في مصيرهم بعيدًا عن أي وجود أجنبي على أرضهم.
جذور الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا
تعود جذور القواعد العسكرية الأجنبية في ليبيا إلى فترة الحرب العالمية الثانية، عندما تحولت الأراضي الليبية إلى ساحة مواجهة بين قوات الحلفاء والمحور، ومع انتهاء الحرب عام 1945 وبروز ليبيا كموقع استراتيجي بالغ الأهمية في منطقة البحر المتوسط، سعت القوى الغربية، وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة، إلى تثبيت وجودها العسكري في البلاد.
وبعد إعلان استقلال ليبيا في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1951، ورثت الدولة الليبية الوليدة واقعًا سياسيًّا وعسكريًّا معقدًا، حيث كانت القوات الأجنبية لا تزال متمركزة في عدة مناطق من البلاد، وقد أُبرمت اتفاقيات عسكرية مع بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا سمحت لهذه الدول بالاحتفاظ بقواعد عسكرية داخل الأراضي الليبية، مقابل تقديم مساعدات مالية واقتصادية، غير أن هذه الاتفاقيات أثارت -منذ البداية- جدلًا واسعًا داخل الأوساط الوطنية الليبية، إذ اعتبر كثير من المثقفين والوطنيين أن وجود قواعد أجنبية يتناقض مع مفهوم الاستقلال الحقيقي، ويقيد قدرة الدولة الليبية على ممارسة سيادتها الكاملة، كما رأى قطاع واسع من الشعب أن هذه القواعد تمثل امتدادًا لنفوذ القوى الاستعمارية في المنطقة، وتحوّل ليبيا إلى ساحة صراع دولي يخدم مصالح القوى الكبرى أكثر مما يخدم مصالح الشعب الليبي.
الحراك الشعبي ومطالب الجلاء
منذ السنوات الأولى للاستقلال بدأت تتشكل في ليبيا حركة سياسية وشعبية تطالب بإلغاء الاتفاقيات العسكرية وإجلاء القوات الأجنبية. وقد شهدت البلاد عدة موجات من الاحتجاجات والمظاهرات، خصوصًا خلال الخمسينيات والستينيات، عبّرت فيها قطاعات واسعة من الطلبة والعمال والمثقفين عن رفضها لاستمرار القواعد العسكرية الأجنبية.
وقد تصاعدت هذه المطالب بشكل ملحوظ في أعقاب الأزمات التي شهدها العالم العربي، وخاصة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ثم حرب يونيو 1967، حيث أدرك الكثير من الليبيين أن وجود القواعد الأجنبية في بلادهم قد يجعل ليبيا طرفًا في صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية، بل قد تستخدم هذه القواعد لشن عمليات عسكرية ضد دول عربية أخرى.
وفي تلك المرحلة أصبحت قضية الجلاء شعارًا أساسيًّا في الخطاب الوطني والقومي داخل ليبيا، وارتبطت -بشكل وثيق- بفكرة التحرر الكامل من كل أشكال الهيمنة الأجنبية.
ثورة الفاتح وإعلان معركة الجلاء
جاءت ثورة الأول من سبتمبر 1969 بقيادة القائد معمر القذافي ورفاقه الضباط الوحدويين الأحرار لتفتح صفحة جديدة في تاريخ ليبيا السياسي، وقد أعلنت الثورة منذ أيامها الأولى أن استعادة السيادة الوطنية الكاملة تمثل أحد أهم أهدافها، وكان في مقدمة ذلك إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.
وفي خطابات قيادة ثورة الفاتح، آنذاك، تم التأكيد بوضوح على أن حرية ليبيا لا يمكن أن تكتمل ما دامت هناك قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. وقد لقي هذا الموقف دعمًا شعبيًّا واسعًا، حيث خرجت الجماهير في المدن الليبية تؤيد مطلب الجلاء وتطالب بتحديد موعد نهائي لرحيل القوات الأجنبية.
بدأت الحكومة الليبية الجديدة مفاوضات رسمية مع بريطانيا حول إجلاء قواتها، وتميزت هذه المفاوضات بالحزم والوضوح في الموقف الليبي، إذ تم التأكيد منذ البداية على أن القضية المطروحة ليست محل مساومة، بل تتعلق بحق سيادي لا يقبل التأجيل.
28 مارس 1970: لحظة اكتمال السيادة
بعد سلسلة من المباحثات، تم الاتفاق على جدول زمني لانسحاب القوات البريطانية من الأراضي الليبية، وفي الثامن والعشرين من مارس عام 1970 غادر آخر جندي بريطاني ليبيا، منهيًا بذلك وجودًا عسكريًّا استمر ما يقرب من ثلاثة عقود.
وقد اعتُبر هذا الحدث لحظة تاريخية فارقة في مسيرة الدولة الليبية، لأنه أنهى أحد أبرز مظاهر النفوذ الأجنبي في البلاد، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقلال الفعلي والسيادة الوطنية الكاملة.
ولم يقتصر الأمر على إجلاء القوات البريطانية فقط، إذ تواصلت عملية تصفية الوجود العسكري الأجنبي لاحقًا، حيث تم إجلاء القوات الأمريكية من قاعدة الملاحة الجوية في الحادي عشر من يونيو عام 1970، كما تم إنهاء بقايا الوجود العسكري الإيطالي في أكتوبر من العام نفسه.
الأبعاد السياسية والاستراتيجية للجلاء
كان لقرار إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية آثار سياسية واستراتيجية عميقة على ليبيا والمنطقة. فمن الناحية الوطنية، شكّل هذا القرار تأكيدًا على قدرة الدولة الليبية على فرض إرادتها السيادية، وترسيخ استقلالها بعيدًا عن الضغوط الدولية.
أما على المستوى العربي والإقليمي، فقد اعتُبر إجلاء القواعد الأجنبية من ليبيا خطوة مهمة في سياق حركات التحرر التي شهدها العالم العربي في تلك الفترة، ورسالة واضحة بأن إرادة الشعوب قادرة على إنهاء أشكال الهيمنة العسكرية الأجنبية.
كما أن إنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية أعطى ليبيا هامشًا أوسع في رسم سياساتها الخارجية والاقتصادية وفقًا لمصالحها الوطنية، دون الارتباط بالقيود التي كانت تفرضها الاتفاقيات العسكرية السابقة.
البعد التاريخي في الذاكرة الوطنية
لا يمكن فهم حدث الإجلاء بمعزل عن التاريخ الطويل من المقاومة الليبية ضد الاحتلال الأجنبي. فقد شهدت ليبيا عبر تاريخها الحديث صراعًا مريرًا ضد الاستعمار الإيطالي الذي بدأ عام 1911 واستمر لعقود، وقدم خلاله الليبيون تضحيات جسيمة في سبيل الحرية والاستقلال.
وقد ارتبطت هذه الذاكرة النضالية بأسماء رمزية في التاريخ الليبي، مثل شيخ المجاهدين عمر المختار ورفاقه الذين قادوا المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي، وأسهموا في ترسيخ ثقافة الصمود والرفض في الوعي الوطني الليبي.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى إجلاء القواعد الأجنبية عام 1970 باعتباره امتدادًا لذلك المسار التاريخي من الكفاح، الذي سعى فيه الليبيون إلى تحرير أرضهم واستعادة سيادتهم.
دلالات الذكرى في الحاضر
إن إحياء ذكرى الثامن والعشرين من مارس لا يقتصر على استحضار حدث تاريخي فحسب، بل يحمل أيضًا دلالات عميقة تتعلق بقيم الاستقلال والسيادة الوطنية. فهذه الذكرى تذكّر الأجيال الليبية بأن الحرية لم تكن يومًا منحة مجانية، بل جاءت نتيجة تضحيات طويلة ونضال مستمر من أجل الحفاظ على كرامة الوطن واستقلاله.
كما تبرز هذه المناسبة أهمية الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي في مواجهة التحديات الخارجية، إذ إن نجاح ليبيا في إنهاء الوجود العسكري الأجنبي لم يكن ليتحقق لولا الالتفاف الشعبي حول هذا الهدف الوطني الجامع.
خاتمة
يبقى يوم الثامن والعشرين من مارس عام 1970 علامة بارزة في سجل التاريخ الليبي، لأنه يمثل لحظة استعادة السيادة الوطنية الكاملة بعد عقود من الوجود العسكري الأجنبي. لقد جسّد هذا الحدث انتصار الإرادة الوطنية، وأكد أن الشعوب قادرة على الدفاع عن استقلالها مهما كانت التحديات.
واليوم، وبعد مرور عقود على ذلك الحدث، تبقى ذكرى الإجلاء جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية الليبية، تذكّر الأجيال الجديدة بمعاني الكرامة والاستقلال، وتؤكد أن الحفاظ على سيادة الوطن هو مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع أبنائه.
إن استحضار هذه الذكرى لا يهدف فقط إلى تكريم الماضي، بل إلى استلهام الدروس التي تعزز الإيمان بقدرة الشعوب على صنع تاريخها، وصيانة حريتها، والحفاظ على سيادتها في مواجهة كل أشكال الهيمنة والتدخل الأجنبي.

زر الذهاب إلى الأعلى