إيران تفرض معادلة جديدة في الصراع الدولي

بقلم الدكتور عثمان الدعيكي
في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة والعدو الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، هذه المواجهة التي لم تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تطورت لتضرب أطنابها في عمق النظام الاقتصادي العالمي، توطئة لإعادة تشكيل قواعد جديدة للعبة الطاقة والتجارة الدولية.
فالإعلان الصادر مع بدء إرهاصات الحرب الذي تبنته سبعة من أصل اثني عشر ناديًا تمثل المجموعة الدولية للحماية والتعويض بإلغاء التغطية التأمينية لمخاطر الحرب في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر لم يكن قرارًا فنيًّا عابرًا، بل لحظة فارقة في مسار هذه الأزمة. فهذه المجموعة التي تعتبر مسؤولة عن تأمين وإعادة التأمين لما يقارب 90 % من حركة الشحن العالمي، وانسحابها بهذا الشكل من اتفاقيات التغطية التأمينية على النواقل والسفن التجارية العابرة بالخليج العربي جاء بسبب مواجهتها انكشافًا غير محدود على المخاطر الكارثية في منطقة حرب متواصلة والتي تجعلها غير قادرة على الوفاء بمتطلبات رأس المال المقدرة بـ 99.5 % من القيمة المعرضة للخطر، ما وضعها أمام خيارين: إما الخسارة والإفلاس، أو سحب التغطية التأمينية فورًا، وهو ما قررته بالفعل. الأمر الذي يعكس حجم المخاطر غير المسبوقة التي باتت تهدد التجارة العالمية بسبب هذه الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على جمهورية إيران الإسلامية.
الاستجابة من الأسواق العالمية كانت فورية من أهمها ارتفاع حاد في أسعار الطاقة تجاوز حتى اليوم حاجز الـ 112 دولارًا للبرميل ومرشح للزيادة وتراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات صفرية، بعد أن كان يعبر خلاله ما يزيد على 20 مليون برميل نفط يوميًّا، بالإضافة إلى 20 % من الغاز الطبيعي المسال، وبمعدل مرور 138 سفينة يوميًّا كما ساهمت في توقف ما يزيد على 300 ناقلة نفط على ضفتي المضيق فضلًا عما يقارب 1000 سفينة تجارية في كل من بحر العرب والبحر الأحمر.
هذا الانهيار السريع لحركة الشحن وارتفاع أسعار الطاقة حدث قبل أن تنفذ إيران تهديداتها وتضع لغمًا واحدًا في المضيق!
توقعت أمريكا أن العقوبات الخانقة التي أقرتها على إيران منذ 47 عامًا ستساهم في سقوط النظام مع أولى الضربات التي شنتها عليها في 28 فبراير الماضي واغتيال رأس النظام، وأن نتائج هذا الضغط ستظل محصورة داخل الحدود الجغرافية الإيرانية. وقد انهارت هذه الفرضية مع بداية الحرب، إذ استطاعت إيران فرض معادلة عسكرية ذات نتائج صارمة لضمان إيقاف الحرب وانسياب تدفق نفطها إلى العالم دون قيود، أو جر منظومة الطاقة في المنطقة بأسرها إلى ساحة المعركة عبر مضيق هرمز. وهو ما نجحت فيه نسبيًّا حتى الآن في نقل ساحة المواجهة إلى قلب منظومة الطاقة العالمية، مهددةً إمدادات النفط والغاز التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. كما أن دخول الحوثيين في اليمن خلال اليومين الماضيين كلاعب جديد في المعادلة الإيرانية بإقحام مضيق باب المندب في أتون الصراع القائم ما سيساهم بالتأكيد في تأجيج الضغط على هذه المنظومة.
هذا التحولات تطرح سؤالًا جوهريًّا: هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمّل حرب طويلة الأمد في ظل اضطراب أهم شرايينه الحيوية؟
بالنسبة إلى إيران، يبدو أن التراجع ليس خيارًا مطروحًا، بعد أن دفعت كلفة باهظة على المستويين الاقتصادي والعسكري. والبديل هو الاستمرار، الذي قد يفتح الباب أمام تحقيق أهدافها واشتراطاتها المعلنة لإيقاف الحرب، وفي مقدمتها رفع العقوبات، واستعادة موقعها في السوق العالمية، وفرض معادلة ردع جديدة.
حتى الآن، نجحت إيران في جر منظومة الطاقة العالمية إلى أتون المعركة، وهذا ما تؤكده تغريدات الرئيس ترامب، وهو يتوسل للصين واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا وفرنسا لإرسال قطع بحرية لفتح المضيق، وتهديداته المتكررة للحوثيين بالنأي عن أنفسهم في هذا الصراع، رغم إعلانه المتكرر عن تحقيق انتصارات حاسمة على إيران، وأنه دمر كامل قدراتها الصاروخية والعسكرية بشكل تام، في الوقت الذي يعجز فيه عن إرسال فرقاطة واحدة إلى مضيق هرمز!
وفي المحصلة فإن العقوبات التي صُممت منذ ما يزيد على أربعين عامًا لخنق طهران، تحولت بفعل سياسة ترامب الرعناء إلى زلزال يهز عمق النظام المالي العالمي. فهل نحن أمام هزيمة استراتيجية للهيمنة الأمريكية الغربية بآلياتها وأدواتها التي استخدمتها للهيمنة على العالم، أم هو المخاض الأخير لولادة شرق أوسط مقاوم وتغيير خارطة المنطقة بأسرها؟
