الدينار الليبي المكسور والمواطن الموجوع

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
المواطن الليبي البسيط أصبح يعيش حالة خوف وقلق دائمين، بعد أن خُدع من قبل مجموعة سلبت إرادته وانتزعت حقه في العيش بكرامة. ولم يكتفِ هؤلاء بذلك، بل حرموا هذا المواطن حتى من حق التعبير عن ألمه ومأساة وطنه الذي يقترب من حافة الإفلاس، بينما يعبث بموارده من تصدروا المشهد واستبدلوا الشجاعة بالجبن.
اليوم، لم يعد المواطن الليبي يحلم بأكثر من الحد الأدنى من الحياة الكريمة. فقد بدأ الفقر ينخر في جسده، والمرض يفتك بأسر كاملة، حتى أصبحت الأورام والأمراض الخطيرة تضرب العائلات، وخاصة النساء، بل حتى الفتيات الصغيرات اللواتي لم يرَين بعد مستقبلًا صحيًا وآمنًا.
ومع ذلك، فإن أقصى ما يطلبه الليبيون في ظل هذه التعاسة هو توفر الدواء والعلاج، وهو الحد الأدنى الذي افتقدوه في دولة يُقال إنها دولة نفطية، بينما تعبث الأيدي العابثة بثرواتها.وتتفاقم مأساة المواطن الليبي عندما يضطر إلى شد الرحال نحو مصر أو تونس طلبًا للعلاج.
فيقف في طوابير طويلة عند المعابر، منتظرًا ختم خروجه على جواز سفره، ثم يصل إلى بنقردان ليصرف كل ما ادخره من تحويشة العمر. وهناك تصدمه الحقيقة المرة: فعندما يصرف ألف دينار ليبي لا يحصل إلا على نحو 310 دنانير تونسية فقط.وبمجرد دخوله إلى إحدى المصحات أو عيادات الأطباء، يجد نفسه أمام فاتورة جديدة؛ إذ يدفع نحو 70 دينارًا تونسيًا فقط من أجل استشارة طبية، قبل أن يناوله الطبيب وصفة طويلة من التحاليل، حتى وإن أخبره بأنه أجرى هذه التحاليل بالفعل في ليبيا.
ومع ذلك يُقنعه الطبيب بضرورة إعادتها إن كان يريد العلاج. وفي مقارنة بسيطة، قد يجد هذا المواطن أن تحليل السكر التراكمي الذي يكلف في ليبيا عشرة دنانير فقط، يصل ثمنه في تونس إلى سبعين دينارًا تونسيًا.وبعد خروجه من العيادة، يحاول هذا الليبي البسيط أن يمر بالسوق ليشتري ما يسد رمقه، ربما جناح دجاجة مع طبق من المبكبكة الحارة.
لكنه عندما يضع يده في جيبه يصاب بالدهشة؛ فيعود ليعيد حساباته بدقة، ليكتشف أن الألف دينار التي جاء بها قد تبخرت بين الطبيب، ومعمل التحاليل، والصيدلية، وإيجار شقة ليوم واحد.وهكذا يعود المواطن الليبي، حتى بعد رحلة العلاج، محمّلًا بالإحباط. ففي مصر كما في تونس، يتبخر الدينار الليبي في مكاتب الصرافة.
أما في بلده، فقد أصبح يواجه نظامًا اقتصاديًا غريبًا: شحًا في السيولة، وشراءً للدولار بأسعار مرتفعة، ثم إعادة بيعه للحصول على دينار نقدي.ولهذا لم يكن غريبًا أن يصف أحد المواطنين هذا الواقع المرير قائلًا: إنه اقتصاد الشيطان، يباركه إبليس.
وفي ظل هذه الفوضى، يُدفع المواطن دفعًا إلى إنفاق ما تبقى من ماله في رحلات الحج والعمرة، وكأن ذلك أصبح جزءًا من مشهد ديني واقتصادي تختلط فيه السياسة بالفتوى، بينما تبقى معاناة المواطن الليبي خارج حسابات الفوضى التي تحكم البلاد.
