مقالات الرأي

المال والصحة

د.علي المبروك أبوقرين

ليس المال رقماً في دفاتر الحساب، ولا مجرد وسيلة لتبادل المنافع إنما هو قوة تعيد تشكيل الحياة، وتعيد ترتيب القيم، وتعيد تعريف معنى الكرامة الإنسانية. وفي علاقته بالصحة لا يكون المال حيادياً أبداً، إنه يتحول إلى حدٍّ فاصل بين الحياة والمرض وبين الطمأنينة والخوف، وبين الإنسان كقيمة والإنسان كتكلفة.

في زمن ما قبل الدولة لم يكن الفقر خياراً ولا حالة عابرة إنما كان قدراً جماعياً يفرض منطقه القاسي على الأجساد والعقول، حيث كان الإنسان يعمل ليبقى لا ليعيش، وكانت الصحة امتداداً مباشراً لقسوة الطبيعة وشح الموارد، فانتشرت أمراض سوء التغذية، واستنزفت الأعمال الشاقة الأجساد، ولم يكن السكن يقي حرّاً ولا برداً، ولم يكن هناك نظام صحي يُسند الإنسان ولا تعليم يحرره من جهله، فكان المال القليل لا يكفي لدفع المرض ولا حتى لتأجيله، ثم جاءت الدولة ومعها النفط فتحول المال من ندرة خانقة إلى وفرة قادرة، وهنا حدث التحول العظيم، إذ لم يعد المال مجرد وسيلة للبقاء بل أصبح أداة للبناء، فانتشر التعليم وتعممت الرعاية الصحية وانخفضت الأمية وارتفعت جودة الحياة، وأصبح الإنسان محاطاً بشبكة حماية اجتماعية تحميه من السقوط وتمنحه فرصة عادلة للحياة.
وفي تلك اللحظة التاريخية لم يكن المال مجرد ثروة بل كان ترجمة فعلية لفكرة العدالة. لكن المفارقة تبدأ حين يفقد المال بوصلته، وحين يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت، وحين يغيب العقل الذي يديره فيتحول إلى قوة عمياء تُغذي الفوضى بدل أن تبني النظام، وهنا تبدأ الانتكاسة حيث يفقد التعليم رسالته ويتحول إلى سلعة، وتتخلى الصحة عن إنسانيتها وتُختزل في فاتورة.

وفي هذا التحول لم يعد السؤال هل يوجد مال بل لمن هذا المال، ولم تعد المشكلة في الندرة بل في سوء التوزيع وسوء الإدارة وغياب الرؤية، ففي الماضي كان الفقر عاماً فكان الألم مشتركاً وكانت الفوارق محدودة، أما اليوم فقد أصبح الفقر انتقائياً يضرب فئات بعينها بينما تعيش فئات أخرى في وفرة تتجاوز الحاجة، وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة، ففي زمن الفقر كان الإنسان عاجزاً لأنه لا يملك، أما في زمن الوفرة فقد أصبح عاجزاً لأن ما يملكه لا يكفي.

وهكذا تحولت الصحة التي كانت حقاً مكفولاً إلى امتياز مشروط، وتحول التعليم الذي كان سلماً للارتقاء إلى بوابة للتمييز الطبقي، ولم يعد المرض مجرد حالة بيولوجية إنما أصبح حالة اقتصادية، ولم يعد الجهل نتيجة غياب التعليم بل نتيجة عدم القدرة على تحمل تكلفته.
وهنا ينكسر المعنى، فحين يضطر الإنسان لدفع ثمن ما كان يجب أن يُمنح له كحق يفقد المجتمع توازنه الأخلاقي، وحين يصبح المال شرطاً للصحة فإننا لا نتحدث عن نظام صحي إنما عن سوق للنجاة يُقصي من لا يملك ويُبقي على من يستطيع الدفع، والأخطر من ذلك أن هذا التحول يضرب بنية المجتمع بأكمله، فتتآكل الطبقة الوسطى وتتسع الفجوة وتتفتت الروابط الاجتماعية، ويصبح الإنسان أقل ثقة في مؤسساته وأقل انتماءً لمجتمعه وأكثر انكفاءً على ذاته، وهنا لا تكون الأزمة صحية أو اقتصادية فقط إنما هي أزمة وجودية.

المال حين يفقد وظيفته الاجتماعية يتحول من نعمة إلى عبء، والصحة حين تُسلب عدالتها تتحول من حق إلى صراع، وإن أخطر ما في هذه المفارقة ليس الفقر ذاته بل الإحساس بالظلم، وليس المرض بل الشعور بأن العلاج ممكن لكنه ليس لك، وهنا يقف المجتمع على حافة اسئله مصيرية هل المال في خدمة الإنسان أم الإنسان في خدمة المال، فإذا كانت الإجابة الأولى فإن الصحة يجب أن تبقى حقاً والتعليم يجب أن يبقى أساساً والحماية الاجتماعية يجب أن تكون مظلة لا تُثقب، أما إذا كانت الإجابة الثانية فنحن لا نتجه نحو التنمية بل نحو إعادة إنتاج الفوضى في صورة أكثر قسوة حيث يُعاد تشكيل المجتمع وفق القدرة على الدفع وليس وفق قيمة الإنسان.

وفي النهاية ليست المشكلة في المال ذاته بل في العقل الذي يديره والقيم التي تضبطه والغاية التي يُسخر من أجلها، فالمال يمكن أن يبني وطناً، ويمكن بنفس القوة أن يهدم إنسانه.

زر الذهاب إلى الأعلى