الرئيسية

دفاعات بالوكالة

بقلم/ عفاف الفرجاني


قد أُتَّهم بالفكر القومي الوحدوي في زمن أصبحت فيه القومية العربية تهمة سياسية في نظر مجتمع تشبّع بأفكار القوة الإمبريالية، تلك القوة التي توظّف ببراغماتية بعض المكوّنات السياسية في المنطقة.
وفي خضمّ التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع رقعة الضربات العسكرية في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط، يطرح سؤال افتراضي نفسه بإلحاح:
هل كان المشهد الإقليمي سيبدو على هذا النحو لو لم تنهَر بعض أقوى الدول العربية، ولو لم يتراجع العرب عن مبادئهم القومية والوطنية؟
فلنتخيّل المشهد كما كان يفكر به قادة مثل جمال عبد الناصر ومعمر القذافي وحافظ الأسد.
ماذا لو كان لبنان اليوم دولة متماسكة بقرار سيادي موحّد، تحتكر فيه الدولة قرار السلم والحرب، بدل أن يكون ساحة مفتوحة لتجاذبات داخلية وصراعات إقليمية؟ هل كانت إسرائيل لتتمادى في عملياتها العسكرية لو واجهت دولة قوية خلف الحدود، لا معادلة ردع جزئية مرتبطة بفصيل واحد؟
وماذا لو لم تنهك الحرب الطويلة سوريا وتضعف مؤسساتها؟ هل كانت جغرافيتها ستتحول إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية والإقليمية؟
ويبرز سؤال آخر لا يقل حساسية: ماذا لو بقي العراق دولة مركزية قوية كما كان قبل عام 2003؟ هل كان سيتحوّل، وهو الذي كان يُوصَف يومًا بميزان القوة في المشرق، إلى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الإيراني والأمريكي؟
ويمتد السؤال جنوبًا إلى اليمن: لو لم ينزلق إلى حرب طويلة أنهكت الدولة والمجتمع، هل كان البحر الأحمر وباب المندب سيغدوان ساحة اختبار يومي لتوازنات القوى الإقليمية والدولية؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ، بل إلى قراءة الحاضر. فمعادلات الحروب لا تُبنى على حجم السلاح فقط، بل على صلابة الدولة التي تقف خلفه، وعلى إيمان المواطن بقضايا وطنه. وعندما تتفكك الدولة، تتحول الجبهات إلى خطوط هشّة، وتصبح المبادئ مجزأة والعقول مخترقة.
ومن هنا يبرز تساؤل أوسع: كيف كان سيبدو حال المنطقة لو نجح العرب في بناء منظومة تنسيق سياسي وأمني أكثر تماسكًا؟ أو لو توحدت جهود الدول العربية ضمن رؤية استراتيجية مشتركة، بدل الانخراط في صراعات تُدار بالوكالة عن قوى خارجية؟
وفي قلب هذا المشهد يقف بعض القادة العرب أمام معادلة معقّدة بين حسابات السياسة وضغوط الواقع الجيوسياسي. فالرئيس اللبناني جوزيف عون يعلن أن لبنان لا يريد الانخراط في الحرب ويدعو إلى وقف التصعيد، لكن السؤال يبقى قائمًا: هل يمكن للبنان أن يقف على الحياد بينما حدوده الجنوبية لا تزال ساحة مفتوحة للصراع مع إسرائيل؟ فالجغرافيا لا تعترف بالحياد، والتاريخ لا يمنح ترف الانفصال عن الصراع.
وفي ظل غياب دور عربي قادر على فرض السيادة على الأراضي المنتهكة، يجد فصيل واحد نفسه في موقع الدفاع والمواجهة. غير أن هذه المعادلة تكشف مأزق الدولة حين تضعف: تتحول المواجهة إلى صراع تديره قوى غير رسمية، بينما تبقى البلاد كلها مهددة بأن تصبح ساحة مفتوحة لمشاريع الهيمنة.
وربما تكمن المفارقة هنا: فلو بقيت الدول العربية أكثر تماسكًا، ولو حافظت مراكز القوة الإقليمية على مكانتها، لما تحركت إسرائيل أو الولايات المتحدة في هذا الفضاء الجيوسياسي بهذه الجرأة.
فالقوة في الشرق الأوسط لم تكن يومًا مسألة سلاح فقط، بل مسألة سيادة أيضًا.
وحين تسقط الدول قبل الجبهات، يصبح الدفاع عن الأرض مهمة مؤجلة… أو مهمة يتولاها آخرون.

زر الذهاب إلى الأعلى