مقالات الرأي

مستقبل البترودولار

بقلم/ فوزي المزوغي

يشهد نظام البترودولار، الذي هيمن على المشهد المالي العالمي لنحو نصف قرن، مرحلة تحول دقيقة لكنها عميقة. فبدلًا من انهيار مفاجئ أو استمرار كامل للوضع القائم، يتجه النظام نحو تآكل تدريجي في هيمنته المطلقة، مع احتمال ظهور نظام مالي عالمي متعدد العملات.
نشأ نظام البترودولار في منتصف سبعينيات القرن الماضي بعد اتفاق بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية يقضي بتسعير مبيعات النفط العالمية بالدولار الأمريكي. في المقابل، وفرت الولايات المتحدة حماية أمنية وسياسية للسعودية.

أدى هذا النظام إلى خلق طلب عالمي دائم على الدولار، إذ تحتاج الدول المستوردة للنفط إلى امتلاك الدولار لدفع قيمة مشترياتها. كما أعادت الدول المنتجة للنفط استثمار فوائضها المالية في سندات الخزانة الأمريكية، مما وفر تمويلًا منخفض التكلفة للاقتصاد الأمريكي وساهم في ترسيخ الدولار كعملة الاحتياط الأولى في العالم.

اليوم يواجه نظام البترودولار تحديات متعددة نتيجة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية.

أول هذه التحولات يتمثل في استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة. فقد أصبحت الولايات المتحدة، بفضل ثورة النفط الصخري، أكبر منتج للنفط في العالم ومصدرًا صافيًا للطاقة منذ عام 2021، ما قلل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط وأعاد تشكيل توازنات الطاقة العالمية.
ثانيًا، صعود الصين كقوة اقتصادية كبرى. فالصين هي أكبر مستورد للنفط عالميًا، وهو ما يمنحها نفوذًا متزايدًا في أسواق الطاقة ويدفعها إلى مطالبة بعض الدول بقبول عملتها، اليوان، في تسويات تجارة النفط.
ثالثًا، استخدام الولايات المتحدة للدولار كسلاح سياسي من خلال فرض العقوبات المالية على دول مثل روسيا وإيران. وقد دفع هذا الاستخدام المتزايد للدولار في الصراعات الجيوسياسية العديد من الدول إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على العملة الأمريكية. وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية تُسوى حاليًا بعملات غير الدولار.

رابعًا، التطورات التكنولوجية في أنظمة الدفع. فقد طورت الصين نظام اليوان الرقمي ومنصة mBridge للتسويات المالية عبر الحدود، وهي أدوات قد توفر بدائل أسرع وأقل تكلفة مقارنة بالنظام المالي العالمي الذي يعتمد بشكل كبير على الدولار.

خامسًا، التحولات الاقتصادية في دول الخليج. إذ تسعى دول مثل السعودية ضمن رؤية 2030 إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، إضافة إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية مع الصين.
في المقابل، لا تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام هذه التحديات، بل تسعى للحفاظ على موقع الدولار في النظام المالي العالمي بعدة طرق.

من بين هذه الخطوات الضغط السياسي والاقتصادي على الدول المنافسة، بما في ذلك التهديد بفرض رسوم جمركية على دول مجموعة بريكس إذا اتجهت إلى إنشاء عملة بديلة للدولار.

كما تعمل الولايات المتحدة على تعزيز دور الدولار في الاقتصاد الرقمي من خلال دعم العملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار، والتي قد تسهل استخدامه في المدفوعات الرقمية العالمية.

إضافة إلى ذلك، تسعى واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع الدول المنتجة للنفط لضمان استمرار تسعير النفط بالدولار. ويمكن فهم التحركات الأمريكية في مناطق مثل فنزويلا ضمن هذا الإطار الأوسع للحفاظ على نفوذ الدولار في تجارة الطاقة.
يرى الخبراء عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام النقدي المرتبط بالنفط.

السيناريو الأول هو التطور التدريجي المُدار، وهو الأكثر ترجيحًا. في هذا السيناريو يستمر الدولار في لعب الدور المركزي، لكن مع توسع محدود في استخدام عملات أخرى مثل اليوان في تسوية جزء من تجارة النفط.

السيناريو الثاني يتمثل في صدمة خارجية مفاجئة، مثل أزمة جيوسياسية كبرى أو انهيار اقتصادي عالمي أو اختراق تكنولوجي كبير في أنظمة المدفوعات. مثل هذه الصدمة قد تؤدي إما إلى تعزيز دور الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، أو إلى تسريع تراجع هيمنته.

أما السيناريو الثالث فهو تحول استراتيجي سريع نحو الشرق، بحيث تقرر دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، الاندماج بشكل أعمق في النظام المالي الذي تقوده الصين. إلا أن هذا السيناريو يُعد الأقل احتمالًا على المدى القريب.

بعض الاقتصاديين، مثل ريتشارد فيرنر، يرون أن السياسات الأمريكية الهادفة إلى حماية هيمنة الدولار قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد تدفع دول الجنوب العالمي إلى تسريع البحث عن بدائل للنظام المالي القائم.
من غير المرجح أن يشهد العالم انهيارًا مفاجئًا لنظام البترودولار. لكن الاتجاه العام يشير إلى تراجع تدريجي في هيمنة الدولار المطلقة وظهور نظام مالي عالمي أكثر تعددية، حيث قد يتقاسم الدولار الصدارة مع اليوان أو مع أشكال جديدة من العملات الرقمية.
ومع ذلك، ستظل الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا بفضل عمق أسواقها المالية وقوة مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية.

تأثير هذه التحولات على ليبيا
تمثل ليبيا حالة خاصة في ظل هذه التحولات العالمية، إذ يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على النفط ويعاني في الوقت نفسه من هشاشة سياسية ومؤسسية كبيرة.

يشكل النفط والغاز أكثر من 90% من إيرادات الدولة والصادرات، وهو المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية التي تحتاجها البلاد لاستيراد الغذاء والدواء والسلع الأساسية.

إلى جانب ذلك، تعاني البلاد من انقسام سياسي حاد بين حكومتين متنافستين، ما أدى إلى ظهور اقتصاد مزدوج وإنفاق عام مرتفع دون رقابة فعالة. كما تصنف ليبيا ضمن الدول الأكثر فسادًا في العالم وفق مؤشر مدركات الفساد.

كما يواجه الاقتصاد الليبي نقصًا حادًا في العملة الأجنبية. فقد بلغ العجز في توفير الدولار نحو 9 مليارات دولار في عام 2025، وهو ما انعكس في تدهور قيمة الدينار الليبي في السوق الموازية التي وصل فيها سعر الدولار إلى نحو 9 دنانير.

إذا أدى تراجع هيمنة الدولار إلى اضطرابات في أسواق النفط أو تغير في عملات التسعير، فقد تواجه ليبيا ضغوطًا إضافية. فاقتصادها يعتمد بشدة على العائدات النفطية المقومة بالدولار، وأي تغير في هذا النظام قد يزيد صعوبة الحصول على العملة الصعبة اللازمة للاستيراد.

كما أن ضعف المؤسسات الاقتصادية والمالية قد يجعل البلاد أكثر عرضة للتقلبات في النظام المالي العالمي.

في المقابل، قد تفتح التحولات الجارية فرصًا جديدة لليبيا لتعزيز شراكاتها الدولية. فقد شهد عام 2026 توقيع اتفاقيات نفطية كبيرة مع شركات دولية مثل كونوكو فيليبس وتوتال بقيمة استثمارات تصل إلى نحو 20 مليار دولار.

تعكس هذه الاتفاقيات رغبة الولايات المتحدة في إبقاء النفط الليبي ضمن منظومة التجارة العالمية المقومة بالدولار، مقابل استثمارات ودعم سياسي.

بالنسبة إلى ليبيا، تمثل هذه الاستثمارات فرصة لزيادة إنتاج النفط وتحديث البنية التحتية للطاقة، مع طموح للوصول بالإنتاج إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا في المستقبل.

مع ذلك، تبقى التحديات الداخلية هي العامل الحاسم في مستقبل الاقتصاد الليبي. فزيادة الإيرادات النفطية قد تؤدي إلى تصاعد التنافس السياسي على توزيع العوائد بدلًا من استخدامها في التنمية.

كما يستمر نزيف الأموال نتيجة الفساد، خصوصًا في ملف استيراد الوقود والسلع، حيث كشفت التحقيقات عن مليارات الدولارات من الهدر.

إضافة إلى ذلك، يشكل تضخم الإنفاق الحكومي تحديًا كبيرًا، إذ وصلت فاتورة الرواتب في القطاع العام إلى نحو 73 مليار دينار في عام 2025.

كما تواجه ليبيا خطر إدراجها على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) بحلول عام 2029، وهو ما قد يحد من قدرتها على التعامل مع النظام المالي العالمي.
إن مستقبل البترودولار لا يمثل مجرد قضية مالية عالمية، بل يشكل عاملًا مؤثرًا في مصير الدول المعتمدة على النفط مثل ليبيا.
وبينما تسعى القوى الكبرى إلى تعزيز نفوذها في أسواق الطاقة، يبقى العامل الحاسم بالنسبة لليبيا هو قدرتها على معالجة أزماتها الداخلية من خلال توحيد المؤسسات، مكافحة الفساد، وضبط الإنفاق العام.

فبدون إصلاحات حقيقية، قد تجد ليبيا نفسها أكثر عرضة لأي اضطراب في النظام المالي العالمي، أما إذا نجحت في إدارة مواردها وتحسين مؤسساتها، فقد تتمكن من تحويل هذه التحولات الدولية إلى فرصة لتحقيق الاستقرار والتنمية.

زر الذهاب إلى الأعلى