مقالات الرأي

اقتصاد العالم في مرمى الغطرسة “الصهيوأمريكية”

بقلم/ عثمان الدعيكي

لم تعد المواجهة المتصاعدة التي أشعلتها أمريكا والكيان الصهيوني مجرد جولة جديدة من التوتر العسكري مع إيران، بل تحولت في جوهرها إلى صراع اقتصادي بامتياز، تُستخدم فيه القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل موازين الطاقة والنفوذ في المنطقة. فالتطورات الأخيرة تكشف بوضوح أن ما يجري يتجاوز حسابات الردع التقليدية، ليقترب من معادلة أشبه بما يمكن وصفه بـ”الحرب الاقتصادية عبر السلاح”.

استهداف جزيرة “خرج” الإيرانية، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ضربة عسكرية لموقع جغرافي، بل كرسالة مباشرة إلى قلب الاقتصاد الإيراني. فهذه الجزيرة الصغيرة نسبيًّا في الخليج العربي تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، حيث تمرُّ عبرها النسبة الأكبر من النفط الذي تعتمد عليه طهران للحصول على العملة الصعبة. أي تعطيل طويل الأمد لهذا المرفق يعني عمليًّا تقليص قدرة إيران على تمويل اقتصادها في ظل عقوبات قاسية أصلًا، وهو ما يفسر لماذا تبدو الضربة وكأنها تستهدف “رئة الاقتصاد الإيراني” أكثر مما تستهدف موقعًا عسكريًّا.
من زاوية اقتصادية بحتة، فإن الضغط على صادرات النفط الإيرانية يعكس استراتيجية أوسع تعتمد على تجفيف الموارد المالية. فالنفط بالنسبة إلى إيران ليس مجرد سلعة تصديرية، بل هو الركيزة التي يستند إليها الاقتصاد الوطني في تمويل الميزانية العامة، ودعم العملة المحلية، وتأمين شبكة واسعة من الالتزامات الداخلية والخارجية. لذلك فإن أي استهداف للبنية النفطية يحمل في طياته محاولة لإعادة صياغة ميزان القوة عبر الاقتصاد، وليس فقط عبر ميدان القتال.

غير أن طهران، كما يبدو، اختارت الرد ضمن المعادلة نفسها. فالتصعيد الصاروخي الذي أُعلن عنه في الأيام الأخيرة يعكس محاولة لإعادة التوازن عبر توسيع نطاق المخاطر الاقتصادية في المنطقة. الرسالة الضمنية هنا واضحة: إذا تعرضت البنية الاقتصادية الإيرانية للضغط، فإن المنطقة بأكملها قد تصبح ساحة مفتوحة لعدم الاستقرار الاقتصادي. فاقتصادات الشرق الأوسط مترابطة بشكل وثيق، سواء عبر الطاقة أو التجارة أو الاستثمارات العابرة للحدود.
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فالمضيق الضيق الذي يفصل الخليج العربي عن المحيط الهندي يمرُّ عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم. أي اضطراب في حركة الملاحة هناك لا يعني مجرد أزمة إقليمية، بل قد يتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية. الأسواق النفطية بطبيعتها حساسة للغاية تجاه المخاطر الجيوسياسية، وغالبًا ما ترتفع الأسعار ليس فقط بسبب النقص الفعلي في الإمدادات، بل بسبب الخوف من احتمال حدوثه.
هذا ما يجعل التصعيد الحالي يتجاوز حدود الصراع التقليدي. فالعالم الذي ما زال يعاني من تبعات التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد لا يملك رفاهية أزمة طاقة جديدة. أي ارتفاع حاد في أسعار النفط سيترجم سريعًا إلى ارتفاع في تكاليف النقل والصناعة والغذاء، وهو ما قد يعيد فتح جبهة اقتصادية عالمية كانت الحكومات تعتقد أنها بدأت تتعافى منها.

في الوقت ذاته، تبدو أوروبا لاعبًا مرتبكًا في هذه المعادلة. فالقارة التي واجهت أزمة طاقة حادة في السنوات الأخيرة تدرك أن استقرار الخليج ليس مجرد قضية سياسية بعيدة، بل مسألة تمس أمنها الاقتصادي بشكل مباشر. ولذلك فإن أي تصعيد واسع في المنطقة قد يضع الدول الأوروبية أمام معضلة صعبة بين الاعتبارات الجيوسياسية والحاجة الملحة إلى استقرار أسواق الطاقة.

لكن ما يثير القلق الحقيقي ليس فقط الضربات المتبادلة، بل طبيعة الرسائل الاقتصادية التي تحملها. فحين تتحول المنشآت النفطية، والممرات البحرية، وحتى المراكز المالية والشركات الدولية إلى أوراق ضغط في الصراع، فإن ذلك يعني أن المواجهة بدأت تنتقل تدريجيًّا من نطاق الحرب التقليدية إلى نطاق أوسع قد يشمل الاقتصاد العالمي بأسره.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الاقتصاد نفسه جزءًا من ميدان المعركة. فالدول لا تقيس انتصارها فقط بعدد المواقع العسكرية التي تدمرها، بل بقدرتها على التأثير في تدفقات الطاقة، واستقرار الأسواق، وثقة المستثمرين. والواقع أن الشرق الأوسط، بحكم موقعه في قلب خريطة الطاقة العالمية، يظل قادرًا على تحويل أي صراع إقليمي إلى أزمة اقتصادية دولية.

لهذا السبب يبدو العالم اليوم وكأنه يراقب المنطقة بقلق متزايد. فالتصعيد الحالي لا يتعلق فقط بمواجهة عسكرية، بل باحتمال دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من عدم اليقين. وفي زمن تتشابك فيه السياسة بالطاقة وبالتجارة، قد يكون أخطر ما في هذه المواجهة أنها تذكر الجميع بحقيقة أنه أحيانًا تكفي جزيرة نفطية صغيرة أو ممر مائي ضيق ليهتز توازن الاقتصاد العالمي بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى