مقالات الرأي

اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 2

بقلم/ مهدي امبيرش

ربما البعض ممن تابع هذه المداخلات سواءً في مقاربة الإجابة عن السؤال الماهوي، ما الإنسان؟ على أساس أن العربية اللسان، تكشف عن بعدها الفلسفي من خلال طرح الأسئلة، التي قلنا مرارًا إن السؤال هو وسيلة المعرفة في الانفتاح على الحقيقة بما هي وجود وبما هي علم، وإن الاستفهام هو موضوع المنطق، ونقصد بالمنطق: الموجود بالذي هو موجود، وبهذا فإن منهج التفكير العربي يقدم لنا الحل في العلاقة بين الوجود والموجود، وأن الموجود هو بعض الوجود ودليله، وهذا ما يجعله يجتاز الثنائية السائدة اليوم التي هي امتداد للاهوت القديم أو الثنائية القديمة التي بررت الصراع بين ضدين أو بين قطبين، حيث قلنا في مداخلاتنا الأخيرة إن منهج التفكير العربي يقدم لنا علاقة أخرى لا تقوم على الضدين، بل تقوم على قاعدة الغياب والحضور، فلا يمكن أن نتحدث عن الوجود دون العدم، فالوجود والعدم كلاهما وجود، أو الجمال والقبح، إذ لو فنيَ الجمال فلا مبرر للحديث عن القبح والعكس صحيح.
هنا نكشف عن محدودية الأطروحات التي تتحدث عن ما يسمى الأنطولوجيا (ontology) والفينومينولوجيا (phenomenology)، وهنا تبرز مشكلةٌ أشرنا إليها في الخلاف في منهج التفكير الذي ينعكس على وسيلة التعبير، فالأنطولوجيا مصطلح مركب من اليونانية والفينيقية القديمة حيث (oon) هو الوجود، وأن (to) هو الموجود من الوجود، وأن (logy) هي في الفينيقية اللغوس أو اللغة المشتركة التي هنا إيجاد علاقة بين الوجود المطلق أو مشروع الفلسفة والموجود المحدود الذي هو موضوع الأحكام المنطقية، والتي نقول عنها إنها الأحكام، لأنها محكمة داخل الحدود، سواءً أكانت هي التي فرضت حدودها أم هي التي أجبرت على أن تكون داخل حدود، مثال ذلك أن الذهب اسم جنس مطلق، ولكنَّ الذهب الذي في الخاتم هو الموجود من الوجود، وأن الخاتم هو الظرف الذي أحكم الموجود وأخضعه للأحكام المنطقية كما في عيارات الذهب.
إن اللاهوت الذي يقول بالثنائية التي تحدثنا عنها كثيرًا بدءًا من توهم أن الكون ثنائية السماء والأرض أو المقدس والمدنس، أو الإلهي والبشري، أو اللاهوت والناسوت، أو العقل والنقل وما إليها، وهذه بهذه الصورة تحتاج إلى الوسيط الذي يبقي كل واحد على وضعه، ولكنه يملأ الفراغ أو ذات البين ومن ثَم يفرض أن يتحول الوسيط إلى ثالوث، كما تناولنا في أطروحة أفلاطون في الجمهورية أو المنهج التركيبي إلى اليوم بما في ذلك التصور اللاهوتي الذي طرحه الفرنسي مونتسكيو في ما يسمى بتقسيم السلطات، حيث يعيد لنا نفس الصورة اللاهوتية القديمة التي بنى عليها أفلاطون نظريته في ثنائية الثيوس والديموس، أو الحكام والشعب، وقدَّم الثيموس البرزخ الذي يحول دون الصراع، وهي نفس الفكرة التي قدَّمها مونتسكيو، حيث السلطة القضائية هي التي تفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيدية.
وعودةً إلى مصطلح أنطولوجيا فإن اللاهوت يقدم موجد الوجود أو الخالق على أنه الوجود، ثم يحول هذا الوجود إلى موجود يمكن البرهنة عليه بالمنطق أو إدخاله قاعة المحكمة، وهذا ما يرفضه اللسان العربي والقرآن كذلك. أما الفينومينولوجيا فهي تقول بأن المقدمة (phe) هي التي تظهر من النومين (noumenon) والتي يقولون عنها إنها الشيء في ذاته، وهنا يتم الاهتمام بدراسة الظاهر كما عند إدموند هسرل وعند الطبيعيين الذي يعترفون بأن النومين أو الجوهر لا يمكن إدراكه، ومن ثَم فهو ميتافيزيقا غير خاضع للإدراك، وأن الحقيقي هو المدرك، أو الذي تتم به التجربة، وهنا يأخذ هذا اللاهوت رحلة الحفر في البحث عن الوجود الكامن، أي رحلة إلى الأسفل حتى إن كان غير ممكن الإدراك، وأنه لابد من إجراء (الأبوخيا) أي تعليق الحكم ووضع النومين بين قوسين، في حين أن اللاهوت المقابل يأخذ رحلة إلى الأعلى كما عند الألماني هيغل، وأن الوظيفة هنا وظيفة جدلية تركيبية كما يبدو الخلل في كلتا الأطروحتين، سواءً الطبيعية التي تجعل الإنسان جزءًا من الطبيعة الطابعة وما يجري على الإنسان هو قانون الفيزياء وفي أحسن الأحوال الفسيولوجيا، في حين أن اللاهوت الاستعلائي أو التفوقي يرى أن الحركة التصاعدية التركيبية تصل إلى الحقيقة، وقد أوضحنا في مداخلة سابقة أن هذه النظرة حولت الجدل الهيغلي إلى صوفية عدمية حيث أوقفت الحركة فلم تحول الـ(synthesis) إلى (thesis) لتستمر الحركة كما يتصور إلى (antithesis)، ولهذا اعتبرنا أن أطروحة هيغل قد أوصلت إلى العالمية وذلك لمصلحة التفوقية الترانسندنتالية ‏transcendentalsam.
وهنا يمكن لقارئ هذه المداخلة أن يستفهم عن علاقتها بإشكالية التطهير، وإن كان لو توقف معنا لأدرك مسار هذا البحث عندما أشرنا إلى اللاهوت القديم في الفصل بين المقدس والمدنس وفي المشكلة التي أوجدها اللاهوت التي دفعت لا إلى رفض اللاهوت من الأساس، بل إلى كيف نجعل المدنس طاهرًا؟، وهذا ما نتابعه في المداخلات القادمة، بما في ذلك التوقف عند الخيمياء (Alchemy) ومن الناحية السياسية كيف نجعل الجماهير الملوثة والدهماء معدن ذهب؟

زر الذهاب إلى الأعلى