مقالات الرأي

أزمة القرار داخل مجلس النواب

بقلم/ ناصر سعيد

برزت إلى السطح خلال السنوات الأخيرة، إشكالية تنظيمية وقانونية داخل مجلس النواب تتعلق بآلية وكيفية التعبير عن المواقف الرسمية للمجلس، فقد أصبح مألوفًا صدور بيانات فردية أو من مجموعة موقعة من عدد من النواب تعليقًا على أحداث سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو قضائية، دون أن تكون تلك البيانات صادرة عن المجلس في إطار جلسة رسمية، أو عن رئاسة المجلس وفق اللائحة الداخلية المنظمة لعمل المجلس.
هذه الظاهرة تثير العديد من التساؤلات القانونية حول طبيعة الصفة التي تكتسبها تلك البيانات، ومدى إلزاميتها، وحدود مسؤولية “البرلمان” عنها، فالقاعدة المستقرة في الفقه الدستوري أن الإرادة البرلمانية لا تتشكل إلا عبر الآليات الإجرائية المنصوص عليها في الدستور أو الإعلان الدستوري واللوائح المنظمة لعمل السلطة التشريعية، الإرادة الفردية للنائب – مهما بلغت وجاهتها – تظل تعبيرًا سياسيًّا مشروعًا في نطاق حرية الرأي، لكنها لا ترقى إلى مستوى القرار المؤسسي.
إن التفريق بين “الرأي النيابي” و”القرار البرلماني” مسألة جوهرية للحفاظ على التماسك المؤسسي، فالرأي النيابي حق يُعد من ضمانات العمل التشريعي، أما القرار البرلماني فهو عمل قانوني يصدر باسم المجلس بوصفه سلطة دستورية، ويترتب عليه أثر سياسي وقانوني قد يمتد إلى بقية السلطات العامة.. ومن ثم، فإن الخلط بين المستويين يُحدث اضطرابًا في تحديد المسؤولية، ويضعف مركز المؤسسة في مواجهة السلطات الأخرى.
كما أن صدور بيانات متفرقة ومتباينة في التوقيت والمضمون يعكس -ولو ضمنيًّا- حالة انقسام في الموقف، حتى وإن لم يكن الانقسام قائمًا على مستوى الإرادة النهائية للمجلس، وهذا ينعكس سلبًا على صورة السلطة التشريعية باعتبارها الجهة التي يفترض أن تضبط الإيقاع السياسي والتشريعي في الدولة، وأن تكون مرجعية الاستقرار القانوني، فالمؤسسة التي تتعدد أصواتها خارج الإطار الإجرائي المنظم تفقد تدريجيًّا قدرتها على فرض قراراتها بوصفها تعبيرًا عن إرادة سيادية جامعة.
من الناحية القانونية، لا يُعتد بالبيانات الصادرة عن أفراد أو مجموعات من النواب بوصفها قرارات ملزمة، ما لم تستوفِ الشروط الشكلية والموضوعية لإصدار القرارات البرلمانية، وهذه الشروط تشمل انعقاد جلسة صحيحة، تحقق النصاب القانوني، إدراج الموضوع ضمن جدول الأعمال، إجراء المداولة، ثم التصويت وفق الآليات المعتمدة، كما يجوز لرئاسة المجلس إصدار بيانات في المسائل العاجلة، شريطة أن تكون مستندة إلى اختصاصها المحدد في اللائحة الداخلية، وأن تعكس موقفًا مؤسسيًّا لا اجتهادًا شخصيًّا.
ولا يعني ذلك تقييد حرية النواب أو الحد من حقهم في التعبير، بل المقصود هو ضبط العلاقة بين التعبير السياسي الفردي والصفة القانونية للمؤسسة، فالمؤسسة التشريعية لا تُبنى على تعدد البيانات، بل على وحدة القرار، وكلما اتسعت الفجوة بين الموقف الفردي والموقف الرسمي، تعززت حالة الارتباك في المشهد العام، وازدادت صعوبة مساءلة المجلس عن سياساته أو محاسبته على قراراته.
إن الحفاظ على تماسك السلطة التشريعية يقتضي مراجعة عملية لآليات إصدار البيانات، وتفعيل النصوص المنظمة لعمل المجلس، وتأكيد أن أي موقف يُنسب إلى البرلمان يجب أن يمرَّ عبر قنواته الشرعية. كما يقتضي تعزيز الثقافة المؤسسية داخل المجلس، بحيث يدرك الجميع أن قوة البرلمان لا تكمن في عدد التصريحات، بل في صلابة إجراءاته ووحدة إرادته.
في المرحلة الراهنة، التي تمرُّ فيها الدولة بتحديات سياسية واقتصادية وأمنية مركبة، يصبح لزامًا أن يتحدث البرلمان بصوت منضبط، واضح المرجعية القانونية، متماسك في بنيته الإجرائية. فالمسألة ليست شكلية، بل تتعلق بجوهر الشرعية الدستورية، وبقدرة المؤسسة التشريعية على أداء دورها بوصفها سلطة تمثل الإرادة العامة، لا مجرد ساحة لتعدد المواقف الفردية.
إن إعادة الاعتبار للانضباط المؤسسي داخل مجلس النواب ليست مطلبًا تنظيميًّا فحسب، بل ضرورة دستورية لحماية هيبة الدولة، وصون مبدأ الفصل بين السلطات، وضمان أن تبقى القرارات الصادرة باسم الشعب الليبي معبرة عن إرادة جماعية مكتملة الأركان، لا عن اجتهادات متفرقة تفتقر إلى الغطاء القانوني اللازم.

زر الذهاب إلى الأعلى