مقالات الرأي

حمير الديناميت!!


بقلم د. مصطفى الزائدي


في السابق كانت الجيوش تستخدم الحمير لفتح طرق أمام الجنود في حقول الألغام التي يزرعها العدو لمنع تقدمهم، وتسير الحمير دون أن تدري إنها ذاهبة إلى حتفها. ويُستخدم هذا الوصف كمثل للحديث عن أولئك الأشخاص المغفلين الذين يستغلهم العدو في فتح ثغرات بين الصفوف، لكيلا يتعرض جنوده إلى خسائر بشرية، كما يستخدمهم في اقتحام معسكرات أعدائه بقصد إشغاله واستنزافه في نفس الوقت!
ورغم التقدم الهائل في تصنيع “حمير آلية” كطائرات مسيرة وزوارق مسيرة وجنود آليين، لكن استخدام مجموعات بشرية لا يزال يحظى باهتمام كبير عند الجيش الصهيوني والأمريكي.
ففي الغرب لا يزال التمييز العنصري سيد الموقف، وازداد قبحًا بعد سيطرة العقيدة الصهيونية على تفكير المخططين الاستراتيجيين في الغرب!
اليوم، دون مواربة، يقول الصهاينة والمسيحيون الإنجيليون، المسيطرون على القرار الأمريكي، بتفوق اليهود على بقية البشر، فالمسيحيون الإنجيليون “المسيحيون الجدد” يؤمنون بخرافة معركة هرمجدون، التي ذُكرت في سفر الرؤيا في العهد الجديد، وبحسب تفسيرهم ستحدث معركة عالمية كبيرة بين قوى الخير والشر تُسمى هرمجدون، بعدها ينزل يسوع المسيح مرة أخرى إلى الأرض فيما يُعرف بـ “المجيء الثاني للمسيح”، بعدها يتم القضاء على قوى الشر ويبدأ عصر سلام أو حكم المسيح.
هذه العقلية هي التي تدير الصراع العالمي اليوم، وتركزه في الشرق الأوسط، وتحاول بكل الوسائل تحقيق نصر بأي ثمن لليهود “شعب الله المختار نموذج الخير” على العرب والمسلمين “نموذج الشر عندهم”، تمهيدًا لعودة عاجلة للمسيح!
ولم يتورع الصهاينة والأمريكان في استخدام كل الوسائل لتحقيق ذلك النصر الوهمي، من إبادة جماعية إلى عمليات التدمير الواسعة لكل شيء في المنطقة! ولتحقيق نجاحات في المعركة المشتعلة عمليًّا منذ إعلان إنشاء الكيان اليهودي في المنطقة، والتي تتسارع وتيرتها خلال العقدين الماضيين، فإن العدو استخدم خطة “حمير الديناميت” من خلال تجنيد عملاء يدفعهم إلى الموت، لكنهم يحدثون ثقوبًا في جدار بنيان أمتهم ودينهم. وهناك عدة نماذج لشكل “حمير الديناميت” التي استُخدمت إلى الآن، وربما لا تزال أشكال أخرى لم تظهر إلى العيان.
النموذج الأول: العملاء والجواسيس الذين قدموا معلومات للعدو حول حصون الأمة وقادتها وأبطالها، ومكّنوه من الوصول إليها وتصفيتها، ولعل اعترافات الجاسوس نواف الزيدان الذي أوشى بأبناء صدام تلخص دورهم وطريقة عملهم.
النموذج الثاني: العملاء الذين تم إعدادهم من قبل أجهزة العدو وزُرعوا في المنطقة للتخطيط وإدارة الفوضى التي نُشرت في المنطقة بمسمى “الربيع العربي”، التي تركزت على تدمير الجيوش وأجهزة الأمن وتخريب الاقتصاد ونشر الفتن الاجتماعية وتشجيع الحروب الأهلية، ليفسح الطريق أمام العدو للعبث بالمنطقة كما يشاء. ولست بحاجة إلى الحديث عن أمثلة، فالنتائج ظاهرة للعيان.
النموذج الثالث: استخدام مجموعات إثنية ودفعها لتكون في مقدمة المعركة بوعود كاذبة خادعة بمنحهم حقوق بناء دولة قومية، لكنهم كانوا دائمًا يخرجون من المولد بلا حمص كما يقال. وفي مقدمة أولئك بعض من إخوتنا الأكراد، الذين ظلوا يُستغفلون منذ الحرب العالمية الأولى، فلقد وُعدوا بدولة كردية في معاهدة “سيفر” التي عقدت في سيفر بضواحي باريس لتقاسم إرث الدولة العثمانية، والتي أعطت دولة للأكراد، لكن ذلك الوعد تبخر بعد وقت قليل بإلغاء معاهدة سيفر واستبدالها باتفاقية لوزان 1923.
واستُخدموا ثانية ضد الثورة القومية في العراق رغم اعتراف القيادة القومية العربية المتمثلة في جمال عبد الناصر والقذافي بحق الأكراد في إقامة دولة قومية إذا لم تندمج المنطقة كلها في دولة واحدة. وأخيرًا استُخدموا لإسقاط النظام في سوريا بدعم ووعود أمريكية، لكن الأمريكان سرعان ما نكصوا، وطُرد الأكراد من أغلب سوريا التي سُلِّمت إلى إدارة إسرائيلية مباشرة.
المثير للاستغراب أن إخوتنا الأكراد يُلدغون من نفس الجحر عشرات المرات، فها هم يُعدون ثانية “كحمير ديناميت” في العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، مع كل التقدير لنضال الشعب الكردي وقياداته الوطنية.
النموذج الرابع: قيام بعض الدول العربية بتقديم أراضيها وبحارها كقواعد جوية وبحرية للأمريكان بخديعة حمايتهم، لكنها استُخدمت في العدوان على إيران، ما دفعه إلى الرد ومهاجمة عدد من العواصم التي كانت آمنة إلى حد ما.
عندما تعرضت عاصمة عربية لعدوان صهيوني مباشر لم تحرك تلك القواعد ساكنًا، ولا حتى بتنبيه الدولة المستضيفة التي كانت منهمكة في عملية تفاوض تصب نتائجها في مصلحة العدو!
إن الدور الأهم يقع على عاتق المثقفين العرب والمسلمين والنخب القيادية الوطنية لقيادة معركة توعية شاملة عنوانها: لا نسمح بأن يكون بعضنا حمير ديناميت للأعداء!

زر الذهاب إلى الأعلى