الوطن بين تقاطعات الداخل ورهانات الخارج

فرج بوخروبة
ليبيا تتحرك اليوم داخل معادلة معقدة لا تختزلها ثنائية حرب وسلام، ولا يمكن تفسيرها فقط من خلال صراع على السلطة بين أطراف متنافسة، بل هي حالة مركبة يتداخل فيها ضعف البنية المؤسسية مع ثقل الجغرافيا وأهمية الموارد وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية. هذا التداخل جعل الأزمة الليبية أكثر من مجرد نزاع داخلي، إذ تحولت إلى نقطة تماس بين مشاريع نفوذ، وإلى ساحة اختبار لقدرة الفاعلين المحليين على استعادة زمام المبادرة في بيئة إقليمية مضطربة ونظام دولي يعيد ترتيب أولوياته.
الانقسام السياسي والمؤسساتي لم يعد حدثًا طارئًا، بل أصبح واقعًا ممتدًا أعاد تشكيل مفهوم السلطة ذاته. تعدد مراكز القرار أفرز حالة من السيولة في الشرعية، حيث تتعايش هياكل متوازية تدَّعي التمثيل، فيما يظل الإطار الدستوري الحاسم غائبًا أو مؤجلًا. هذا الوضع لا يخلق فقط إرباكًا إداريًّا، بل يؤسس لاختلال عميق في علاقة الدولة بالمجتمع، لأن المواطن يجد نفسه أمام سلطات متعددة وخدمات متفاوتة وقرارات متضاربة، ما يضعف الثقة في فكرة الدولة الموحدة.
اقتصاديًّا، يظل الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية عاملًا مركزيًّا في تفسير هشاشة الاستقرار. الاقتصاد الريعي بطبيعته يُغري بتسييس توزيع الموارد، ويحوِّل إدارة الثروة إلى أداة نفوذ بدلًا من كونها رافعة تنمية. ومع غياب رؤية اقتصادية طويلة الأمد تقوم على التنويع والإنتاجية، تبقى البلاد رهينة تقلبات الأسواق العالمية وحسابات الفاعلين الداخليين. أي اضطراب في تدفق الإيرادات أو في آليات إنفاقها ينعكس فورًا على مستوى الخدمات العامة، وعلى قيمة العملة، وعلى قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، ما يعمِّق الشعور بعدم اليقين.
في هذا السياق، يصبح الاستقرار مفهومًا نسبيًّا، قائمًا على توازنات ظرفية أكثر مما هو نتيجة لعملية بناء مؤسسي مكتملة. التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع تجدد المواجهات، بل في تفكيك البنية التي تسمح باستمرار الانقسام وإعادة إنتاجه. إعادة بناء مؤسسات موحدة وفعالة تتطلب توافقًا سياسيًّا عميقًا حول قواعد اللعبة، وليس مجرد تفاهمات مؤقتة لتقاسم السلطة أو إدارة المرحلة.
إقليميًّا، تتعامل دول الجوار مع ليبيا باعتبارها جزءًا من معادلة أمنها القومي، سواء من زاوية ضبط الحدود أو منع تمدد الفوضى أو حماية المصالح الاقتصادية. هذا الارتباط يجعل أي تحول داخلي ذا صدى مباشر خارج الحدود. في الوقت نفسه، تنظر قوى إقليمية أخرى إلى ليبيا بوصفها عنصرًا مهمًّا في توازنات شرق المتوسط، حيث تتقاطع ملفات الطاقة وترسيم الحدود البحرية والممرات الاستراتيجية. هذا الاهتمام لا ينفصل عن تحولات أوسع في المنطقة، حيث تعيد دول عديدة صياغة تحالفاتها، وتنتقل من مرحلة الاستقطاب الحاد إلى مقاربات أكثر براغماتية، وإن لم تخلُ من التنافس.
الدور الدولي بدوره يتسم بازدواجية واضحة. فمن جهة، هناك خطاب داعم للحل السياسي ووحدة المؤسسات، ومن جهة أخرى، تستمر حسابات النفوذ والمصالح في توجيه السلوك الفعلي لبعض الأطراف. أوروبا تنظر إلى ليبيا من زاوية الهجرة والطاقة، وتسعى إلى قدر من الاستقرار يمنع تدفقات بشرية غير منتظمة ويؤمِّن إمدادات قريبة جغرافيًّا. الولايات المتحدة تراقب المشهد ضمن إطار أوسع يتعلق بموازين القوى في المتوسط وأفريقيا. روسيا وتركيا، كل بطريقتها، تعتبران ليبيا ساحة ذات أهمية استراتيجية، سواء لتعزيز الحضور الإقليمي أم لتوسيع دوائر التأثير. هذا التعدد في المصالح لا يعني بالضرورة استحالة التوافق، لكنه يجعل الوصول إليه عملية بطيئة ومشروطة بحسابات معقدة.
في ظل هذه البيئة، تبرز مسألة الشرعية بوصفها حجر الزاوية في أي مسار مستقبلي. الشرعية هنا لا تُختزل في اعتراف دولي أو في سيطرة فعلية على الأرض، بل تتطلب قبولًا داخليًّا واسعًا يستند إلى عملية سياسية شفافة وقواعد دستورية واضحة. من دون ذلك، ستظل أي سلطة عرضة للطعن والتشكيك، وسيبقى الاستقرار هشًّا مهما بدا ظاهريًّا متماسكًا. بناء الشرعية يستلزم أيضًا إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع، بما يضمن توزيعًا عادلًا للموارد وتمثيلًا متوازنًا للمناطق.
اجتماعيًّا، أفرزت سنوات الانقسام واقعًا جديدًا تتراجع فيه الأولويات الوطنية الجامعة أمام الانتماءات المحلية والاعتبارات المعيشية الضاغطة. تآكل الخدمات الأساسية، وتفاوت مستويات التنمية بين المناطق، وغياب أفق اقتصادي واضح، كلها عوامل تعمق الفجوة بين المواطن والنخبة السياسية. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن المجتمع الليبي ما زال يحتفظ بروابط اجتماعية وثقافية يمكن أن تشكل قاعدة لإعادة البناء إذا توفرت قيادة سياسية قادرة على استثمارها في مشروع جامع.
المستقبل يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، لكن الثابت أن استمرار إدارة الأزمة بالآليات نفسها لن يؤدي إلا إلى إطالة أمدها. التحول الحقيقي يتطلب انتقالًا من منطق التوازنات المؤقتة إلى منطق بناء الدولة، ومن إدارة الانقسام إلى تجاوزه عبر قواعد واضحة ومؤسسات موحدة. هذا المسار لن يكون سهلًا في بيئة إقليمية ودولية متقلبة، لكنه يظل الخيار الأقل كلفة مقارنة ببقاء الوضع على حاله.
ليبيا تقف اليوم أمام مفترق يتجاوز الأشخاص والهياكل القائمة، ويتعلق بطبيعة الدولة التي يراد بناؤها: هل ستكون دولة مؤسسات تتأسس على القانون والتوافق، أم ستظل ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الداخلية والخارجية؟ الإجابة لن تأتي من الخارج وحده، ولن تُفرض بالقوة وحدها، بل ستتشكل من قدرة الليبيين على صياغة رؤية مشتركة تستوعب التنوع وتعيد تعريف السلطة باعتبارها مسؤولية وطنية لا غنيمة سياسية. وبين ضغوط الجغرافيا وثقل الموارد وتعقيدات الإقليم، يبقى الرهان الحقيقي على استعادة فكرة الدولة كإطار جامع يعلو فوق الانقسام ويمنح الاستقرار معنى يتجاوز مجرد غياب الصراع.
