رجل الدولة أم رجل النظام؟

محمد بوخروبة
في مسارات بناء الدول واستقرارها، لا يكمن التحدي الأكبر في نقص الموارد أو تعقيد الأزمات بقدر ما يكمن في نوعية العقول التي تدير الشأن العام، وفي السياق العربي والليبي على وجه الخصوص يبرز خلط مزمن بين مفهوم رجل الدولة ومفهوم رجل النظام، وهو خلط لم يكن بلا كلفة، بل كان أحد العوامل البنيوية المساهمة في هشاشة الدولة وتعثر الانتقال السياسي وتآكل الثقة العامة.
رجل الدولة ليس توصيفًا وظيفيًّا ولا رتبة سياسية، بل هو نمط تفكير ومنظومة قيم وسلوك مؤسسي.. في المقابل رجل النظام هو نتاج بنية سلطوية قائمة يتماهى معها ويدافع عنها بوصفها إطارًا نهائيًّا، لا مرحلة قابلة للتطوير أو المراجعة، ومن هذا الفارق الجوهري تتفرع اختلافات عميقة في إدارة العقل وتشكيل القيم وضبط السلوك وصناعة القناعات وإدارة المال العام والتعامل مع الأزمات وصياغة القرار السياسي.
على مستوى العقل الاستراتيجي ينطلق رجل الدولة من تصور طويل المدى للدولة باعتبارها كيانًا مستمرًّا يتجاوز الأشخاص والتحالفات واللحظات الانتقالية، يشتغل على بناء المؤسسات وتراكم السياسات العامة، وتحصين النظام القانوني من الشخصنة والتسييس، أما رجل النظام فيتحرك بعقلية دفاعية هدفها الأساسي الحفاظ على الترتيبات القائمة، حتى وإن كانت مختلة أو مؤقتة، قراراته غالبًا ما تكون قصيرة الأجل، موجهة لاحتواء اللحظة لا لصناعة المستقبل، وهو ما يؤدي إلى استنزاف الفرص بدل استثمارها.
وفي منظومة القيم يضع رجل الدولة المصلحة العامة معيارًا أعلى، ويخضع قراراته لمبدأ العدالة والشفافية والمساءلة، القيم لديه ليست شعارات، بل أدوات توجيه للسياسات والسلوك، في المقابل يتعامل رجل النظام مع القيم بوصفها مرنة وقابلة لإعادة التفسير بحسب الحاجة السياسية، القانون يصبح وسيلة ضبط لا إطارًا حاكمًا، والمؤسسات تتحول إلى أدوات تنفيذ لا كيانات مستقلة، وفي التجربة الليبية أسهم هذا الخلل القيمي في إضعاف الثقة بين المواطن والدولة، وتعميق الشعور بأن السلطة منفصلة عن الصالح العام.
أما على مستوى السلوك المؤسسي واليومي، فإن رجل الدولة يدرك أن السلوك القيادي يصنع ثقافة عامة، الانضباط واحترام الإجراءات والالتزام بالمعايير، كلها رسائل غير مباشرة ترسخ فكرة الدولة في الوعي الجمعي، بينما يتساهل رجل النظام مع التجاوزات الصغيرة باعتبارها ثمنًا للاستقرار أو وسيلة لإدارة الولاءات، غير أن التجربة أثبتت أن التساهل السلوكي في القمة يتحول سريعًا إلى فوضى إدارية في القاعدة ويقوض هيبة الدولة من الداخل.
وفي بناء القناعات العامة يعمل رجل الدولة على ترسيخ مفهوم المواطنة، وربط الحقوق بالواجبات وتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، يعتمد على التواصل الصادق والوضوح في السياسات، وإشراك الفاعلين في صياغة القرار، أما رجل النظام فيبني قناعات قائمة على الخوف أو الريع أو المنافع المؤقتة، ما ينتج ولاءات هشة وسلوكًا انتهازيًّا.. وفي السياق الليبي أدى غياب هذا البعد التربوي السياسي إلى تآكل فكرة الدولة نفسها لصالح الهويات الفرعية والشبكات الزبائنية.
ويبرز الفرق بشكل حاسم في إدارة المال العام، رجل الدولة يتعامل مع الموارد العامة بوصفها أداة لتحقيق التنمية المستدامة، ويخضعها لمنظومة رقابة ومساءلة ويربط الإنفاق بالأثر الاجتماعي والاقتصادي، أما رجل النظام فيتعامل مع المال العام كوسيلة لإدارة الأزمات أو شراء الوقت أو ضمان الولاءات، الإنفاق يصبح رد فعل لا سياسة وتغيب الرؤية، ويتحول الريع إلى عبء بدل أن يكون فرصة، وقد شكلت هذه الإشكالية أحد أبرز معوقات بناء الدولة في ليبيا، حيث تآكلت الثقة في إدارة الثروة الوطنية.
وعند الأزمات يتجلى الفارق بأوضح صوره، رجل الدولة يرى في الأزمة لحظة اختبار وفرصة لإعادة تصحيح المسار، يتعامل معها بشفافية ويعتمد على المؤسسات والخبرات ويوازن بين الحزم والانفتاح، أما رجل النظام فيتعامل مع الأزمة بوصفها تهديدًا وجوديًّا، فينغلق ويقصي ويخلط بين النقد والتخريب، وهكذا تتحول الأزمات من محطات إصلاح إلى حلقات متكررة من الانقسام والتأجيل.
وعلى المستوى السياسي يسعى رجل الدولة إلى بناء توازنات داخلية وخارجية قائمة على المصالح الواضحة، واحترام السيادة وتعدد مراكز القرار داخل إطار مؤسسي، بينما ينزلق رجل النظام إلى سياسات قصيرة النفس قائمة على ردود الأفعال أو الارتهان، ما يضعف قدرة الدولة على المناورة ويقيد خياراتها الاستراتيجية.
إن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار في العالم العربي وليبيا ليس فقط في تغيير القوانين أو إعادة هيكلة المؤسسات، بل في إعادة تعريف نموذج القيادة نفسه، فالدول لا تبنى برجال يحسنون إدارة النظام، بل برجال ونساء يمتلكون عقل الدولة وقيمها وسلوكها وشجاعتها الأخلاقية.
ويبقى السؤال الجوهري أمام النخب السياسية، هل نريد إدارة واقع هش أم بناء دولة قابلة للحياة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي ما يصنع الفارق بين مرحلة انتقالية لا تنتهي ودولة تستعيد قدرتها على الاستمرار.
