غزة وإيران: اختبار البوصلة الأخلاقية العربية

ناصر سعيد
حين تعرَّض قطاع غزة لدمارٍ واسع وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا بين المدنيين الفلسطينيين خلال حرب الإبادة الأخيرة، نتيجة العدوان الإسرائيلي بدعمٍ سياسي وعسكري أمريكي، ساد في الشارع العربي شعورٌ عميق بالخذلان، لم تكن المأساة مجرد حلقةٍ جديدة في الصراع الطويل، بل لحظة كاشفة لحجم العجز السياسي العربي، ولعمق الفجوة بين وجدان الشعوب العربية ومواقف كثير من الأنظمة الرسمية، فمشاهد المدن المدمَّرة، والمستشفيات المستهدفة، والأحياء التي أُزيلت من الخريطة أعادت طرح أسئلة قاسية حول معنى التضامن العربي وحدوده.
في ظل تلك الوقائع نتساءل إذا كان الموقف العربي قد بدا محدودًا أمام العدوان الإسرائيلي الواسع على غزة وما خلَّفه من كارثة إنسانية، فكيف يمكن توقُّع موقفٍ أكثر صلابة إزاء العدوان على إيران، والعمليات العسكرية والاغتيالات التي استهدفت قياداتٍ سياسية ودينية وعسكرية وعلماء إيرانيين؟
غالبًا ما يُقال إن العلاقات الدولية تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق العواطف، فالدول تتحرك وفق حسابات القوة والتحالفات والاعتبارات الاقتصادية والأمنية، غير أن هذا المنطق الواقعي يصطدم بسؤال أخلاقي لا يمكن تجاوزه: هل تُقاس القضايا التي تمسُّ الدماء والكرامة والسيادة بمعادلات الربح والخسارة وحدها، أم أن هناك حدًّا أدنى من المبادئ الإنسانية ينبغي أن يظل ثابتًا مهما تغيَّرت التحالفات؟
الواقع أن المشهد العربي اليوم يعاني انقسامات سياسية واضحة وتباينًا في الرؤى تجاه القضايا الإقليمية، فبعض الدول تنظر إلى التطورات من زاوية أمنها الداخلي، وأخرى من زاوية علاقاتها الدولية أو مصالحها الاقتصادية، كما أن القلق من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة يدفع كثيرًا من العواصم إلى تبنِّي مواقف حذرة، وإلى جانب ذلك، فإن ضعف مؤسسات العمل العربي المشترك جعل القدرة على صياغة موقف عربي جماعي واضح أكثر صعوبة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو تصاعد الخطابات التي تغذِّي الانقسام المذهبي في بعض المنابر السياسية والإعلامية، عبر استدعاء روايات تاريخية أو مذهبية لتبرير الصمت أو التردد، فبدلًا من مقاربة الصراعات بمنطق سياسي ومصيري وإنساني متوازن، يجري أحيانًا اختزالها في ثنائية سنَّة وشيعة، أو في موقفٍ من هذا التنظيم أو ذاك، وهو اختزال يسهم في تعميق الانقسام أكثر مما يساعد على فهم الواقع.
كما أن اختزال الموقف من مأساة غزة في الموقف من تنظيمٍ سياسي بعينه يمثل تبسيطًا مخلًّا للواقع، فالمقاومة في القطاع، سواء قادتها حركة حماس أم حركة الجهاد الإسلامي، لا تغيِّر من حقيقة أن غالبية الضحايا من المدنيين، وأن ما يحدث هو عدوان عسكري يستهدف مجتمعًا بأكمله. ومن منظور إنساني بحت، فإن حماية المدنيين ورفض استهداف المدن يجب أن يكونا مبدأين ثابتين لا يخضعان للاصطفافات السياسية، وخاصة حين يتعلق الأمر بقضية فلسطين.
ومن الظواهر المقلقة أيضًا ظهور خطاب شماتة في بعض النقاشات العربية تجاه ما يحدث في غزة أو تجاه ما تتعرض له إيران من ضغوط واعتداءات، مثل هذه المواقف لا تعكس مجرد خلاف سياسي، بل تكشف أزمة أعمق في الوعي الأخلاقي، لأن معاناة الشعوب أو استهدافها لا يمكن أن تصبح موضع شماتة بسبب الخلافات السياسية أو الأيديولوجية.
إن القضية في جوهرها ليست صراعًا مذهبيًّا، ولا مجرد خلاف حول تقييم دولة أو حركة سياسية، إنها سؤال أخلاقي واضح: هل نقبل بتدمير المدن واستهداف الشعوب واغتيال القيادات خارج إطار القانون الدولي، أم نتمسك بمبدأ ثابت يرفض العدوان ويضع حماية الإنسان وسيادة الدول فوق كل الاعتبارات الأخرى؟
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القنابل والصواريخ، بل في اختلال البوصلة الأخلاقية، فعندما تتحول القضايا الإنسانية الكبرى إلى ساحات استقطاب طائفي أو سياسي ضيق، يصبح الانقسام نفسه جزءًا من المشكلة، وقد تختلف التقديرات السياسية وتتباين الحسابات الاستراتيجية، لكن التاريخ في نهاية المطاف لا يسجل المبررات بقدر ما يسجل المواقف.
إن الحفاظ على معيار أخلاقي ثابت في التعامل مع قضايا الدم والسيادة والانتماء يبقى الحد الأدنى الذي يمكن أن يحفظ كرامة المواقف العربية، ويمنع سقوط المعايير في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب.
