أزمة العقل العربي المعاصر

سعاد الجروشي
أزمة العقل العربي ليست حادثة عابرة في زمن مضطرب، بل هي حالة مركَّبة تشكَّلت عبر قرون من التراكمات التاريخية، حيث تداخل الجمود الثقافي مع الاضطراب السياسي، وتراجع التعليم مع غياب الحرية، فنتج عقل متردد بين ماضٍ يُقدَّس وحاضر يُخشى ومستقبلٍ لا تتضح ملامحه. إنها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة واقع، وأزمة منهج قبل أن تكون أزمة نتائج.
يعيش العقل العربي توترًا دائمًا بين نزعتين متناقضتين، نزعة تستدعي الماضي باعتباره النموذج الكامل، وأخرى تريد القفز فوقه نحو الحداثة دون استيعاب جذوره، وبين هذين القطبين يضيع التوازن. فالتراث ليس سجنًا ولا خلاصًا مطلقًا، بل مادة للفهم وإعادة البناء. والمشكلة لا تكمن في وجوده، بل في طريقة التعامل معه، إما تقديس يعطل النقد أو رفض يلغي الهوية.
لا يمكن فهم أزمة العقل دون النظر إلى بنية التعليم، حيث ما زال التلقين يتقدم على التفكير والحفظ يسبق الفهم والامتحان أهم من السؤال، وهكذا يتخرج الطالب وهو يمتلك معلومات، لكنه لا يمتلك أدوات التفكير. إن العقل الذي لم يتدرَّب على الشك المنهجي لن يبدع معرفة، بل سيعيد إنتاج ما قيل سابقًا.
العقل بطبيعته يميل إلى التساؤل، لكن البيئة التي يخاف فيها الإنسان من التعبير تُحوِّل السؤال إلى خطر، وحين تصبح الحرية محدودة يتحول التفكير إلى تكرار آمن لا إلى مغامرة معرفية. لذلك فالأزمة ليست معرفية فقط، بل سياسية وثقافية أيضًا، لأن الإبداع يحتاج إلى مناخ يسمح بالاختلاف.
بينما يشهد العالم ثورة معرفية غير مسبوقة لا يزال الواقع العربي في كثير من الأحيان مستهلكًا للتكنولوجيا لا منتجًا لها، ومتأثرًا بالتحولات لا صانعًا لها. هذه الفجوة تخلق شعورًا دائمًا بالتأخر، وتدفع بعض المجتمعات إلى الانغلاق دفاعًا عن الهوية بدل تطويرها.
الخروج من الأزمة يبدأ من تعليم يوقظ العقل على مهارة التفكير لا يكتفي بتكديس المعلومات. حرية تجعل السؤال حقًّا طبيعيًّا لا مخاطرة يُخشى عاقبتها. تعامل واعٍ مع التراث يقرؤه بعين النقد ليظل مصدر إلهام لا عبئًا جامدًا. إيمان حقيقي بالمعرفة يُترجم إلى دعم فعلي للبحث العلمي والإبداع. إنسان يتعامل مع المستقبل بوصفه أفقًا مفتوحًا للإمكان لا مساحةً للقلق والخوف.
إن أزمة العقل العربي ليست نهاية الطريق، بل علامة على مرحلة انتقال. فالأمم لا تنهض حين تغيِّر ظروفها فقط، بل حين تغيِّر طريقة تفكيرها. والعقل الذي يدرك أزمته يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو تجاوزها.
