مقارنة سياسية

محمود امجبر
في إيران، يظل المشهد السياسي والاجتماعي مختلفًا عن كثير من التجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. فالمتابع للمشهد الإيراني لا يكاد يرى مسؤولًا يعلن انشقاقه عن الدولة، ولا سفيرًا يتخلى عن موقعه ليهاجم بلاده، ولا شخصية سياسية أو اجتماعية تخرج لتفشي أسرار الدولة أو تسيء علنًا إلى قيادتها. كما لم يظهر خطاب يتحدث عن غرف عمليات سرية لانتهاك حقوق المواطنين، ولم يبرز صوت يتهم القيادة بقصف المدنيين أو فتح مخازن السلاح لقتل الشعب. كذلك لم نرَ إيرانيًّا يظهر على شاشات القنوات الأجنبية ليعلن ولاءه لقوى غربية أو يرفع أعلام الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا في مواجهة وطنه.
هذا الثبات يعكس، في نظر كثير من المراقبين، طبيعة النظام السياسي في إيران الذي يقوم على قدر كبير من الانضباط الداخلي وترسيخ فكرة الولاء الوطني. وهو ما يبرز الفارق بينه وبين أنظمة أخرى في المنطقة تفككت تحت ضغط التدخلات الخارجية أو غرقت في صراعات داخلية أنهكت الدولة والمجتمع معًا.
وعند النظر إلى تجارب ما عُرف بـ”ثورات الربيع العربي”، تتضح صورة مغايرة في أكثر من بلد. ففي ليبيا تحولت الأحداث سريعًا إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، وتداخلت فيه الانقسامات القبلية والجهوية مع تدخلات إقليمية ودولية، ما أدى إلى حالة من الانقسام السياسي والأمني، وأصبحت الثروة النفطية جزءًا من صراع النفوذ بين القوى المتنافسة.
أما في تونس، التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية، فقد دخلت البلاد في سنوات من التجاذبات السياسية الحادة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، حيث تنافست التيارات السياسية المختلفة على السلطة وسط صعوبات اقتصادية أثقلت كاهل المواطن العادي.
وفي سوريا، تحولت الاحتجاجات التي بدأت بمطالب سياسية إلى صراع مسلح واسع النطاق، تشابكت فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية، وظهرت خلاله جماعات مسلحة متعددة الاتجاهات، ما أدى إلى حرب طويلة خلَّفت دمارًا واسعًا وملايين اللاجئين والنازحين.
أما العراق، الذي قُدِّم بعد عام 2003 بوصفه نموذجًا للتغيير السياسي، فقد دخل بدوره في دوامة من الانقسامات الطائفية والصراعات الداخلية، مع حضور واضح لتأثير القوى الخارجية في مسار السياسة والاقتصاد والأمن.
هذه التجارب مجتمعة تُظهر، في نظر بعض التحليلات السياسية، أن ما جرى في المنطقة لم يكن مجرد تحولات داخلية طبيعية، بل ارتبط أيضًا بصراعات إقليمية ودولية كبرى، وبمشاريع نفوذ سعت إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط تحت عناوين مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وكانت النتيجة في كثير من الحالات دولًا تعاني من الانقسام، وشعوبًا مثقلة بالأزمات، واقتصادات تعرضت لضغوط شديدة.
في المقابل، يبرز النموذج الإيراني بوصفه تجربة استطاعت الحفاظ على قدر من التماسك الداخلي، حيث لم تنزلق البلاد إلى حالة الفوضى التي شهدتها بعض دول المنطقة، ولم تظهر فيها بشكل واسع ظواهر الانشقاق العلني أو إعلان الولاءات الخارجية. ويرى أنصار هذا النموذج أن وحدة الصف الداخلي، والتمسك بفكرة السيادة الوطنية، كانا من العوامل التي منحت إيران القدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية، وعلى الاستمرار في مقاومة الضغوط الخارجية ومحاولات الاختراق السياسي والأيديولوجي.
