مقالات الرأي

ترامب ومعركة أمريكا الأخيرة


ناجي إبراهيم


بمقاييس التاريخ، وقوانين التدافع، وإكراهات السياسة، وتغليب المصلحة على السلام والتعايش، وليس بمقاييس القوة والتوازنات العسكرية نستطيع أن نتوقع أن أمريكا (الترامبية) تخوض آخر معاركها قبل السقوط، وستنتهي هذه الحرب (العالمية) بهزيمة الرأسمالية (الإمبريالية) بشكلها العسكري وهيمنتها السياسية على القرار الدولي والسوق الاقتصادي، وبتنا نرى ملامح تشكل نظام عالمي جديد لن تكون الولايات المتحدة على رأس هرمه.
الولايات المتحدة الأمريكية إذا جردناها من القوة وتجردنا من الخوف تصبح كغيرها من أشخاص القانون الدولي، وتتساوى في تأثيرها في القرار الدولي برواندا أو مدغشقر.
فائض القوى المادية قد يمنح الدول الكبرى قدرة على انتهاك القوانين والأعراف والاعتداء على سيادة الدول والشعوب، وقد يمكنها من التسيد بعض الوقت، ولكنه لا يمنحها إلى الأبد، ولا تستطيع أن تغير في قوانين التداول وسنة التدافع التي أسقطت إمبراطوريات وحولتها إلى أثر بعد عين وأحالتها من الجغرافيا إلى التاريخ.
أمريكا القوة الدولية التي تتربع على قمة النظام العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي ستنهار بنفس الطريقة، وربما سنشهد ميلاد دول جديدة تولد من رحم الانقسام الذي ستشهده عقب هزيمتها التي باتت تلوح في الأفق إذا خسرت معركتها التي تخوضها الآن في الخليج العربي أو كسبتها بفعل فائض القوة التي تمتلكها، والذي سيكون وقودًا لمعركة أهلية ينتج عنها تشظي الولايات المتحدة إلى دويلات لا تمتلك كل القوة، ولكنها تحوز على بعض القوة التي تمكنها من حماية نفسها في مواجهة واشنطن التي لن تكون قوية، وستخرج كما خرجت موسكو عقب تفكك الاتحاد السوفييتي، وسيتبع ذلك نهاية أبدية لحلف شمال الأطلسي، وسيطوي العالم إلى الأبد صفحة النظام العالمي أحادي القطبية وتكون البريكس قد اكتمل تكوينها في إعلان عالمي على انتهاء سيطرة الدولار كعملة وسيطة في المبادلات الاقتصادية العالمية، وستخسر دول كثيرة أرصدتها نتيجة لانهيار الدولار، الأمر الذي سيؤدي إلى إفقار الدول النفطية وخاصة الخليجية التي ستتبخر جميع استثماراتها التي ربطتها بالدولار وستضطر إلى بيع استثماراتها بأبخس الأثمان، هذا إن وجدت من يشتريها، وستجبرها الثقافة الاستهلاكية التي تورطت فيها بفعل انخراطها في النظام الاقتصادي الرأسمالي، إلى رهن ما تبقى لها من احتياطات نفطية لتغطية النفقات العالية على إعادة هيكلة اقتصادها ومجتمعاتها، إضافة إلى إعادة بناء ما تم تدميره نتيجة هذه الحرب التي وجدت نفسها وسطها مضطرة لا مختارة.
إذا خسرت الولايات المتحدة معركتها أمام صمود الشعب الإيراني، وهذا ما توقعناه وما تشير إليه كل المعطيات والتجارب التاريخية، فإنها ستنكفئ داخل حدودها، وتواجه مشكلتها الداخلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي لن تخرج منها موحدة كما كانت، بل دويلات متنافسة ومتنازعة، وأول مشكلة ستواجهها هي مشكلة تقاسم الثروة، إضافة إلى الصراع العرقي بين الأقليات التي تأتي أمة السود في مقدمتها، وصراع مع جيرانها على مناطق كانت قد ضمتها الولايات المتحدة بالقوة في عهود تشكلها.
وقد يقول البعض ماذا لو ربحت أمريكا معركتها ضد إيران؟
في هذه الحالة سيفتح ذلك شهيتها على المضي في معاركها العبثية في مناطق أخرى من العالم، وقد تكون الصين وجهتها القادمة، وأيضًا هزيمة إيران سيدخلها في مواجهة حرب على الأرض لن تكون خسائرها أقل من خسارتها في فيتنام وأفغانستان والعراق، ولن تكون قادرة على الصمود في معركة من هذا النوع وستكون سببًا في هزيمتها الساحقة الماحقة.
أمريكا تغرق في الوحل الإيراني مثلما غرق الاتحاد السوفييتي في الوحل الأفغاني، وروسيا لن تسمح لها بالخروج منه، لترد لها نفس اللون وتسقيها من نفس الكأس الذي شقته لها في الوحل الأفغاني، لتواجه معركة في شوارع المدن الأمريكية في مواجهة الشعب الأمريكي الذي بات يئن وغير قادر على تحمل المغامرات الانتخابية التي ترتكبها نخبه الحاكمة والطامعة في الحكم.
نحن العرب الذين تدور هذه المعركة فوق أراضينا أين يجب أن يكون موقعنا؟ بالتأكيد لن نكون مع أمريكا التي تخوض معركة إسرائيل الكبرى، ويجب أن نقف مع إيران التي إذا انتصرت فستهزم المشروع الصهيوني التوراتي وفقًا لسياسة دفع الضرر والمصلحة القومية، ودينيًّا لا يجب أن نوالي اليهود والنصارى، فمن والهم فهو منهم، ولن نكون منهم.

زر الذهاب إلى الأعلى