مقالات الرأي

اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 1


مهدي امبيرش


لقد سبق أن كتبنا مداخلات كثيرة حول التطهير وتمثيلاته المختلفة التي يمكن أن نقرأها إشكاليات ضمن السؤال الكبير الذي طرحناه، ما الإنسان؟ لقد انصبّت هذه المداخلات ضمن مشكلة المعرفة بعامة وتوهم الإنسان المحدود أن في مقدوره أن يتملك المطلق الذي وصفناه بأنه أزمة آدم منذ البداية، فقد كانت النظرة إلى الكون بعد أن هبط آدم من الجنة أنه ثنائية السماء والأرض، وهي المشكلة التي أوجدت إشكالية الفراغ، حيث ذكرنا أن هذه الثنائية قد بررت الصراع والإقصاء، ونظرًا إلى ما ترتب عليها من كوارث، كان الدافع إلى ملء الفراغ من خلال المنطق التركيبي، أو اللوغوس في البحث عن لغة مشتركة مع الإبقاء على الفصل بين الاثنين، منذ أطروحة أفلاطون في تقديم الثيموس البرزخ الفاصل بين الديموس والثيوس أو القلة الحاكمة الأرستوقراطية والكثرة المحكومة أو الديموس، والتي تكشف بوضوح أن هناك طبقتين الأولى طاهرة والثانية مدنسة أو ملوثة.
كانت المشكلة اللاهوتية التي ارتبطت بعد ذلك ليس بالدين الإلهي بل بالدين الوضعي أو المتصور أن آدم عليه السلام كان في الجنة في الأعالي وزوجه، ولكنهما ارتكبا الخطيئة الأصلية التي يصفها اللاهوت النصراني على أنها خطيئة أصلية، على أن القراءة الإسلامية ترفض هذا المنطق لأنها أساسًا ترفض الثنائية وفكرة الصراع بين ضدين، حيث إن القاعدة هي قاعدة الحضور والغياب وليس الصراع كما أوضحنا في إحدى المداخلات أن العدم ليس نقيض الوجود أو ضده، أو أن الجمال هو نقيض القبح أو ضده، ذلك لأن إلغاء أحدهما لا يعطي مبررًا لبقاء الثاني، فلو قلنا بانتفاء الجمال لم يبق للقبح من معنى، وعكس ذلك لو تصورنا غياب القبح فلن يبقى للجمال من معنى، مع ملاحظة أننا نستخدم مصطلح المعنى الذي قلنا مرارا إنه الوجود المطلق أو المعنى الذي ليس الموجود أو المفهوم، فما دمنا قد نفينا ثنائية السماء والأرض، على أساس أن السماء دخان فلا يبقى من معنى بالصراع أو النقيض من الأساس، هنا نناقش المصطلح اللاهوتي النصراني في القول بالسقوط، أي سقوط آدم من الجنة، وأن الخلاص يتم بالتطهير على أساس أن آدم أورث بنيه هذه الخطيئة التي تجعلهم عاجزين عن العودة إلى الجنة بالخلاص والتطهير، وهذا وراء موقف سقراط وأفلاطون من الجسد، وأن النفس كانت طاهرة في السماء صحبة الآلهة، ولكنها لما فقدت قدرتها على الطيران سقطت وتم اعتقالها في الجسد فصارت فكرة إنهاء هذا الاعتقال تتم من خلال التطهير، التي ذكرنا في مداخلات سابقة مقولة سقراط (إن الموت مطلب الفلاسفة).
إن صياغة أفلاطون لهذه الفكرة من خلال الجدل الصاعد والجدل الهابط أي من خلال معراج صوري في استعادة للمعراج الزرادشتي، وإن كان أفلاطون قد انتهج أسلوبًا لإحداث التطهير من خلال استعارة تقانة التناسخ من الصوفية العدمية الهندية مع أننا نضع في أذهاننا باستمرار أن مصطلح الصوفية (سوفس)، هو استعارة من الفينيقيّة القديمة، أي أنها تقانة الصفاء والتطهير، وسوف نتناول هذه الأساليب في التطهير من خلال مداخلات موسعة.
نعود إلى القول إن الإسلام الدين منذ نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم غير اللاهوت، وعلى سبيل المثال فإن القرآن الكريم لا يستخدم مصطلح السقوط اللاهوتي، بل الهبوط: أي أن آدم عليه السلام وزوجه قد هبطا من الجنة، وأن الجنة على الأرض، وأن اسما آدم وزوجه في الجنة التي في ربوة عالية إلى الأرض المتطامنة هو هبوط من ربوة على الأرض إلى المتطامن من الأرض أو المستوي، وأن الجنة في العربية من الاختفاء والغياب ليس على وجه الحقيقة، بل قدرة الإنسان على أن يراها ويكون وضع الجنة كالجن التي هي موجودة ولكننا لا نراها، ويكون هذا في منتهى الدقة عندما نحاول أن نتوقف عند مصطلح، عين اليقين، أي أن الذي نراه الآن لا يوصلنا إلى الحقيقة أو اليقين، بل هو الصورة التي تكون في الذهن، وهذه مهمة جدًّا في ظهور إشكاليات المعرفة أو توهم الإنسان إدراك المطلق أو الحلول: بمعنى أن يحُلّ المطلق في المحدود، أو أن يدرك الإنسان المحدود مطلق العلم وهو الذي قلنا إنه أزمة آدم الإنسان وزوجه منذ البداية، وقد توهما أنهما من خلال ثمرة الشجرة المحرمة قادران على امتلاك الخلد والملك الذي لا يبلى، والذي تناولناه في مداخلات فائتة، كما نرى أهمية فكرة سقراط في الصور في عالم المثل والتغيير الذي أحدثه أفلاطون وتمظهر منطق أرسطو وإنزاله الصور، وأن التطهير (catharsis) التي جعلها تتم من خلال المسرح التراجيدي، والتي نمهد لها بعرض الشامانية الهندية والألوزية، والفيثاغورثية، وخاصة الفيثاغورثية الجديدة والأفلاطونية الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى