نحذِّركم من ثورة لا تُبقي ولا تذر

ناجي إبراهيم
المعالجات التي يجريها المصرف المركزي لحل العجز في الموازنات وتغطية غياب السيولة في البنوك من خلال طرح الدولار كسلعة للعرض والتجارة والمضاربة، لن تؤدي إلا إلى طريق واحد وفقط، وهو التدني والتدهور المتواصل في قيمة الدينار، ولن تعالج الهدر المستمر في دخل الليبيين الوحيد من النفط، وسيقودنا إلى مسار ولجته شعوب أخرى أوصلتهم إلى بوابة واحدة، وهي باب البنك الدولي وسطوة الخزانة والفدرالي الأمريكية.
غياب سياسات اقتصادية واضحة المعالم تقضي على عشوائية القرارات وتساعد في خلق ومراكمة الثروة سيزيد من تفاقم الوضع المالي والاجتماعي، ويفتح الباب أمام الوصفات التي يتم تسريبها عن طريق خبراء الخزانة الأمريكية الذين يستثمرون في فشل القيادات المالية التي تدير السياسات النقدية، والتي فشلت حتى هذه اللحظة في إيجاد حلول ناجعة تحمي هذا الانهيار الذي يواجهه الاقتصاد الليبي والذي بدأ ينعكس على الأوضاع الاجتماعية.
إن الإصرار من المصرف المركزي على حل مشكلة السيولة وما صاحبها من تضخم أحدثته السياسات التي تعتمد المضاربة في العملة لن ينتج إلا مزيدًا من التضخم ومزيدًا من انهيار سعر الدينار، ويسمح للذين يكنزون العملة الورقية في بيوتهم بالتهام ما يطرحه المركزي في السوق وتحويله إلى حساباتهم البنكية خارج المصارف الليبية، وذلك ما يدخل المصرف المركزي في ماراثون لا ينتهي إلا لصالح المضاربين والتجار وربما حتى التنظيمات المافياوية والإرهابية.
ومن الإنصاف أن نبين للناس أن المصرف المركزي لا يتحمل هذا الانهيار الذي يشهده الاقتصاد الليبي، ولكنه يتحمل مسؤولية حماية ثروة الليبيين من عائدات النفط والدخول الأخرى وحماية الدينار، وألا ينساق وراء وساوس الشياطين الذين يقتاتون على مثل تلك الأزمات من الداخل والخارج، ولكن المسؤولية تقع على الحكومات الليبية والمجالس التشريعية.
وعلى الحكومات التي تدير المشهد شرقًا وغربًا والسلطات التشريعية أن تتخذ سياسات تحمي جيب الليبيين ودخولهم ومدخراتهم أمام هذا الوباء الذي يتربص بكل فرد فينا ويسوقنا نحو الفقر والإفلاس.
المبالغة في فتح الاعتمادات دون تفعيل آليات رقابية فعالة، والتمادي في الهدر على بضائع لا لزوم لها، وغض الطرف عن الفساد المالي والإداري الذي يضرب أغلب المؤسسات الحكومية، والاستمرار في تمويل وتموين المكونات والمجاميع المسلحة دون حاجة أمنية لوجودها، والتوسعة في البعثات الدبلوماسية والقنصلية في بلدان لا تقدم فيها خدمة للمواطنين، وإذا كان لا بد من وجود تلك البعثات فيجب أن تكون في الحد الأدنى مع ضرورة مراجعة جدول المرتبات المبالغ فيه.
هذا ناهيك عن عضوية مجالس الإدارات لبعض المؤسسات الاستثمارية والبنكية والمستشارين ببعض القطاعات، كل تلك الإجراءات يجب أن تسبق أي قرارات مالية يُجبر عليها المصرف المركزي، وليس ملزمًا قانونيًّا ولا بأي سبيل أن يقوم بتدبير العجوزات التي تواجهها الحكومات والتي أنتجتها سياساتها الخاطئة، وحتى إذا أُجبر عليه يلزمها برد تلك الأموال التي اقترضتها للتغطية على عجز ميزانيتها وفي حالات محددة لا تضر بثروة الشعب الليبي.
هذا الطريق الذي يسلكه المصرف المركزي الليبي والداعمون له في المؤسسات التنفيذية والتشريعية وربما بإملاءات من الخارج كان قد سلكه البنك العراقي عقب الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 بمباركة جميع الحكومات التي تولت السلطة في العراق من حكومة بريمر حتى آخر حكومة، ولكنها لم تحصد منه إلا الفشل، ولم ينل الدينار العراقي إلا الهبوط المستمر حتى بلغ سعر الدولار 1500 دينار، ولذلك ومن باب النصح أن ننبه المصرف المركزي الليبي ورئيسه أن يعود من نصف الطريق حتى لا نصل إلى ما وصل إليه الاقتصاد والدينار العراقي وما ترتب عنه من توسيع قاعدة الفقر والعوز التي شملت كل الطبقات عدا طبقة طفيلية نبتت نتيجة هذا التشوه والتهمت مدخرات العراقيين وتركتهم على الأرصفة يتسولون لقمة العيش، ولن أخبركم أين أخذت هذه السياسة الماجدات العراقيات.
هل سنصل إلى ما وصل إليه العراق؟
إذا ما استمررنا على هذا النهج الخاطئ، والذي هو من وساوس طبقة طفيلية بدأت تتشكل في مجتمعنا بسبب المحاباة في منح الاعتمادات، سنصل بسرعة إلى ما وصل إليه العراق، بل سنتفوق عليه.
يكذبون عليكم وهم يوسوسون لكم بضرورة ترك الدينار دون حماية، وتلك والله إلا إحدى وساوسهم حتى يتمكنوا من آخر درهم في جيوب الليبيين لتحويلهم إلى خدم في بيوتهم ومتسولين على الأرصفة في الداخل والخارج، ونكون بذلك قد قضينا على أي أمل لأجيالنا في مستقبل يحفظ كرامتهم ويحمي ثروتهم من النهب.
ندعوكم أن تتراجعوا عن مثل تلك المعالجات الغبية قبل أن تواجهوا ثورة الجياع التي لن تُبقي ولا تذر.
