ليبيا: من “مدرسة الديمقراطية المباشرة ” إلى شرعيات من الخارج.. صراع النموذج وسؤال السيادة

عناوين:
إعداد/ عفاف الفرجاني
في الثاني من مارس 1977، أعلن العقيد معمر القذافي قيام “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية”، ناقلًا ليبيا من صيغة الجمهورية التقليدية إلى ما اعتبره مرحلة تاريخية جديدة عنوانها “سلطة الشعب”. لم يكن الأمر مجرد تغيير اسم، بل محاولة جذرية لإعادة تعريف مفهوم الدولة والشرعية والسيادة. جوهر النظرية، في عبارتها البسيطة وعمقها الادعائي، يقوم على أن السلطة للشعب وحده، وأن الشعب يحكم نفسه بنفسه دون نيابة أو تمثيل. واليوم، وبعد أكثر من عقد على انهيار تلك التجربة وفشل النموذج البديل، يطل السؤال القديم – الجديد برأسه: هل كان القذافي محقًّا في رفضه للنيابة السياسية؟ وهل فشل النموذج التمثيلي الغربي في البيئة الليبية يعيد الاعتبار لنظرية الحكم المباشر؟
نظرية “سلطة الشعب”: مرتكزات الفكرة وهيكل التجربة
لم تقم “سلطة الشعب” على فراغ، بل استندت إلى جملة مرتكزات فكرية وتنظيمية شكلت هويتها.
تمثلت الركيزة الأولى في رفض التمثيل النيابي. اعتبر القذافي الديمقراطية التمثيلية خدعة تاريخية تسمح لفئة قليلة باغتصاب إرادة الأغلبية. فالبرلمان، في نظره، أداة لمصادرة الإرادة، والحزب إطار احتكاري يختزل المجتمع. البديل كان نظام المؤتمرات الشعبية الأساسية، حيث يجتمع المواطنون محليًّا لمناقشة القوانين والسياسات، وينتخبون لجانًا شعبية للتنفيذ، بينما يقوم “مؤتمر الشعب العام” بدور التنسيق لا التمثيل بالمعنى البرلماني. كان هذا بمثابة تفكيك للدولة الحديثة القائمة على فصل السلطات، واستبدالها بهرم قاعدي يفترض أن القاعدة فيه هي مصدر القرار.
أما الركيزة الثانية فكانت ملكية الشعب للثروة، وتمثلت في شعار “الشركاء لا الأجراء”. فالثروة، وفي مقدمتها النفط، ليست ملكًا لدولة بيروقراطية، بل ملك للجماهير. الاشتراكية هنا كانت صيغة خاصة: العمل شراكة، والأرض لمن يفلحها، والبيت لساكنه. بهذا، حاول النظام بناء شرعية اجتماعية قائمة على توزيع الريع وتوسيع مظلة الخدمات من تعليم وصحة ودعم، مقابل تقييد العمل السياسي المنظم.
الركيزة الثالثة ارتبطت بمفهوم الشعب المسلح، حيث جرى ربط السيادة بفكرة الاستقلال الكامل عن الإرادة الدولية. الدفاع مسؤولية جماعية، والتدريب العسكري واجب كل مواطن، ما يجعل فرض الإرادة الخارجية على شعب مسلح ومعبأ أيديولوجيًّا أمرًا مستحيلًا. ومن هنا جاء رفض الوصاية والتشكيك في منظومة “العالم الحر”.
جدلية التطبيق: ديمقراطية مباشرة أم مركزية بغطاء جماهيري؟
يظل التقييم التاريخي للتجربة مثار جدل. يرى فيها المؤيدون مشاركة شعبية غير مسبوقة في محيط عربي منغلق، بينما يعتبر المعارضون أن السلطة الفعلية ظلت متمركزة في القيادة الثورية والأجهزة الأمنية، وأن المؤتمرات الشعبية تحولت مع الوقت إلى أطر شكلية للمصادقة أكثر منها للتقرير. لكن الأهم، من منظور هذا التقرير، هو الإرث الذي تركته هذه التجربة في الذهنية السياسية الليبية.
النموذج البديل: ديمقراطية تمثيلية مستوردة في بيئة منهكة
بعد 2011، دخلت ليبيا في مسار مغاير. جرى استيراد نموذج ديمقراطي تمثيلي قائم على الانتخابات البرلمانية والتعددية الحزبية، برعاية ودعم دوليين. غير أن هذا النموذج لم يستقر. تعاقبت الأجسام، وتعددت الشرعيات، وتعمق الانقسام.
برزت إشكالية التمثيل والشرعية بوضوح مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة عبر ملتقى الحوار السياسي المعروف بلجنة 75 برعاية أممية. هذا العدد المحدود، الذي لا يتجاوز عدد طلاب فصل دراسي، أنتج سلطة تنفيذية كاملة. هنا ظهر نمط جديد من “الشرعية الدولية” التي تسبق الشرعية الشعبية وتتفوق عليها. اتهامات شراء الأصوات والتدخلات الخارجية غذت خطابًا يرى أن الديمقراطية التمثيلية في ليبيا لم تؤدِ إلى استقرار، بل إلى إعادة توزيع النفوذ بين نخب جديدة مدعومة خارجيًّا.
أما إشكالية السيادة فقد تجلت في حجم التدخل الخارجي، حيث بات السفراء يتدخلون حتى في تفاصيل داخلية حساسة. في هذا السياق، برزت تصريحات عن “سقوط الديمقراطية البرلمانية” كمؤشر على أزمة ثقة عميقة. أليست هذه الأزمة تعيد طرح سؤال القذافي القديم حول اغتصاب النيابة للإرادة؟
كما برزت إشكالية المسار الدستوري، مع رفض الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور اجتماعات القاهرة وجنيف، واعتبارها أن رئيسي مجلسي النواب والدولة لا يمثلان الشعب، واتهامها للمستشارة الأممية بمحاولة إنعاش مسار لا يستند إلى الاستفتاء الشعبي المباشر على مشروع 2017. هكذا تبلور صراع مزدوج: صراع على حق التمثيل، وصراع على مصدر الشرعية. هل الشرعية من صندوق اقتراع تشرف عليه الأمم المتحدة، أم من عملية داخلية خالصة؟
مقارنة في الميزان: المشاركة الواسعة مقابل النخب الضيقة
المقارنة بين النموذجين ليست مقارنة بين ماض مثالي وحاضر فاسد، بل بين تصورين للسياسة. في التصور الأول، السيادة كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة يمارسها الشعب مباشرة. وفي الثاني، السيادة موزعة عبر مؤسسات تمثيلية تخضع لتوازنات داخلية وضغوط خارجية. المشكلة أن النموذج الثاني جاء في بيئة منهكة، فصار التمثيل نفسه محل شك.
لو افترضنا مقارنة بين ما كان قائمًا في ظل 23 شعبية، حيث مؤتمرات شعبية أساسية يحضرها آلاف المواطنين يناقشون الشأن المحلي والخدمي، وبين ما يجري اليوم من تفاوض بين عدد محدود من الأشخاص داخل قاعات مغلقة في الخارج، سنجد أن ميزان الكتلة البشرية المشاركة مختلف تمامًا. صحيح أن القرارات السيادية الكبرى ظلت بيد القيادة، لكن في الشأن المحلي كان هناك مسار معلن يمر عبر المؤتمرات. اليوم، تُصاغ القرارات المصيرية في تفاهمات محدودة خارج الحدود، ثم تُقدَّم للداخل كأمر واقع. هذا الفارق في الإحساس بالمشاركة هو ما يدفع شريحة من الليبيين إلى إعادة طرح السؤال: ألم تكن المشاركة الشعبية الواسعة، رغم ما شابها، أقرب إلى روح السيادة من مشهد النخب الضيقة المتنازعة تحت رعاية الخارج؟
سيناريوهات المستقبل: بين استحالة العودة وضرورة الخلاص
لا يمكن تجاهل أن الجماهيرية لم تسمح بتعددية سياسية، ولم تقبل بمعارضة علنية. لكن لا يمكن تجاهل أيضًا أن مرحلة ما بعد 2011، رغم التعددية الشكلية، لم تنجح في بناء دولة مستقرة. بين التجربتين، يقف المواطن الليبي حائرًا بين ذاكرة دولة قوية ذات خطاب سيادي، وواقع دولة منقسمة ذات شرعيات متعددة.
العودة الحرفية لنموذج 1977 غير ممكنة، لأن المجتمع الليبي تغير وتشظى، ولم يعد يقبل بمركزية مغلقة. فكرة الحكم المباشر في مجتمع معقد تطرح تحديات عملية كبيرة تتعلق بسرعة اتخاذ القرار في الأمن والاقتصاد، وكفاءة الإدارة، ومنع تحول المؤتمرات إلى ساحات نفوذ قبلي أو جهوي.
في المقابل، ثبت أن استيراد النماذج الجاهزة دون تمحيص يؤدي إلى مزيد من الفشل، خاصة مع استمرار الوصاية الخارجية التي تفرغ هذه النماذج من مضمونها السيادي.
الدرس الأهم يتمثل في ضرورة البحث عن صيغة ليبية خالصة توازن بين المشاركة الشعبية الواسعة وبناء مؤسسات قوية خاضعة للمساءلة. صيغة تستلهم من التجربة السابقة نقدها للتمثيل النيابي وتأكيدها على الرقابة الشعبية، وتستفيد في الوقت ذاته من أدوات الدولة الحديثة في الكفاءة والتخصص. السيادة ليست شعارًا، بل قدرة فعلية على اتخاذ القرار دون ابتزاز خارجي، والشرعية ليست اعترافًا دوليًا، بل قبول داخلي عميق. وهذا القبول بدأ يتبلور كحالة انتخابية يفرضها العقل الجمعي بعد سنوات من الفوضى.
خاتمة: السؤال المفتوح
في خاتمة هذا التقرير، الذي يعبر عن رؤية تحليلية، القضية المطروحة ليست دفاعًا عن شخص أو هجومًا على آخر، بل سؤال عن طبيعة الدولة التي تليق بالليبيين. هل ترسخت في الوعي الجمعي، خلال 45 عامًا من تجربة “سلطة الشعب”، قناعة عميقة برفض كل أشكال التمثيل حتى باتت فكرة الحكومة نفسها موضع شك؟ هل أصبح جزء من المجتمع يميل فطريًّا إلى الحكم المباشر لأنه اعتاد عليه، أم لأنه فقد الثقة في كل وسيط سياسي بعد 2011، أم أن الأزمة ليست في شكل النظام بقدر ما هي في البيئة التي يعمل داخلها؟ ولو رُفعت يد التدخل الأجنبي فعلًا، وتُرِك الليبيون ليحسموا خياراتهم دون ضغط أو وصاية، هل سيتقاطع المسار في خط وطني واحد مهما كان شكله، أم أن الانقسام صار أعمق من أن تعالجه مجرد استعادة السيادة؟
الإجابة لن تُكتب في بيانات ولا في اجتماعات مغلقة، بل في قدرة الليبيين على استعادة ثقتهم في أنفسهم وفي دولتهم. بين “سلطة الشعب” كما نظرت إليها الجماهيرية، و”سلطة النخب” التي ترعاها الأمم المتحدة، تبحث ليبيا عن سلطة تستحق أن تكون لها. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الليبيين قبل غيرهم.
