مقالات الرأي

القرار الاقتصادي تحت رقابة الرأي العام: ميزان الثقة بين السلطة والناس


فرج بوخروبة
في لحظات الاختبار الكبرى، لا تكشف القرارات الاقتصادية عن آثارها في دفاتر المحاسبة فحسب، بل في نبض الشارع وقدرته على الاحتمال، فالسياسات التي تمسُّ حياة الناس اليومية، مهما بُررت بوصفها إجراءات فنية أو تنظيمية، تظل في جوهرها عقدًا اجتماعيًّا يتطلب الرضا والقبول، وحين تأتي هذه السياسات مفاجئة وبلا تمهيد كافٍ، فإنها تضعنا أمام سؤال أخلاقي وسياسي مصيري حول من يملك حق تقرير الكلفة ومن يتحمل عبء النتائج.
إن ما نلحظه اليوم من محاولات لفرض أعباء مالية ثقيلة، بنقل بعض السلع والخدمات من نطاق الإعفاء إلى نطاق الالتزام المباغت، يمثل تحديًا ليس للمواطن فحسب، بل لفكرة المؤسسية ذاتها، فالجدل القائم الآن في الفضاء العام لا يدور حول أرقام صماء، بل حول مبدأ أخلاقية الكلفة، وهل يجوز تحميل المجتمع كلفة تصحيح اختلالات هيكلية لم يكن شريكًا في صنعها، إن الاستمرار في هذا النهج دون مراجعة يعزز الانطباع بأن المسافة بين مراكز القرار والواقع المعاش تزداد اتساعًا، ما يتطلب وقفة جادة لتصحيح المسار قبل أن تتحول الفجوة إلى قطيعة دائمة.
إن ردة الفعل الشعبية والمؤسسية التي نراقبها حاليًا ليست مجرد ضجيج عابر، بل هي تعبير عن وعي جمعي يرفض سياسات الأمر الواقع، فالمجال العام الذي يغلي بالنقاشات والتحليلات يرسل رسالة واضحة بأن التحمل له حدود، وأن المواطن الذي يواجه تقلبات أسعار الصرف وأزمات السيولة وتآكل القيمة الشرائية لم يعد يملك ترف الصمت أمام أعباء إضافية تزيد من وطأة يومه، وهنا يصبح من الضروري على صانع القرار أن يدرك أن التراجع عن الخطأ فضيلة مؤسسية وليس ضعفًا، وأن الاستجابة لهذا النبض وفتح قنوات الحوار الحقيقي هي التي تمنح القرار مشروعيته، فالإصلاح الذي لا يحظى بحد أدنى من القبول الشعبي يظل إصلاحًا مشلولًا من الناحية العملية ومهددًا بالتعثر عند أول اختبار حقيقي في الواقع. وفي هذا المشهد المفتوح على الاحتمالات، تبرز أهمية المؤسسات الرقابية والقضائية كصمامات أمان للدولة والمجتمع معًا، حيث يتجه التطلع اليوم نحو هذه الجهات لتلعب دورها التاريخي في حماية التوازن القانوني والتأكد من أن أي إجراء مالي يلتزم بروح الدستور والقانون ولا يفتقر إلى المشروعية الإجرائية.
إن التدخل المؤسسي لتصويب المسارات المالية ليس تعطيليًّا، بل هو الضمانة الوحيدة لمنع تغول الاجتهادات الفردية على حساب المصلحة العامة، ولذلك فإن الدعوة قائمة لمراجعة فورية لهذه السياسات ليس فقط كاستجابة لمطالب الشارع، بل كتصحيح لمسار الدولة ذاته، فالاعتراف بوجود خلل في آلية اتخاذ القرار أو في توقيت تنفيذه يفتح الباب أمام إصلاحات حقيقية وشاملة تقوم على المكاشفة وتوزيع الأعباء بعدالة لا على تحميل الطرف الأضعف في المعادلة الاقتصادية كلفة التغيير وحده.
إن الأزمة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست أزمة موارد، بل هي أزمة ثقة، والثقة لا تُبنى بالوعود، بل بالقرارات التي تحترم وعي الناس وظروفهم، والتمادي في فرض سياسات جس النبض قد يرتد بنتائج عكسية، فالناس لم يعودوا حقول تجارب للخطط المالية المتعثرة، لذا فإن النهج الجديد يجب أن يتسم بالشفافية المطلقة وتقديم كشف حساب حقيقي للموارد والمصروفات وتبرير الحاجة إلى أي عبء مالي جديد بوضوح لا يقبل التأويل، مع ضرورة التدرج المدروس بحيث لا تصطدم القرارات بالقدرة الشرائية للناس بشكل عنيف ومباغت، وتفعيل التواصل التفاعلي الغائب الذي يضمن إشراك المجتمع والخبراء المستقلين في صناعة القرار قبل صدوره.
إن ما نأمله وندعو إليه بقوة هو أن تسود الحكمة في إدارة هذا الملف، فتدارك الأمر الآن وتعديل المسار بما يضمن حقوق الناس ويحافظ على استقرار السوق هو الدليل الحقيقي على قوة الدولة ورصانتها، والسيادة الحقيقية تكمن في القدرة على حماية المواطن وفي امتلاك الشجاعة السياسية للاعتراف بضرورة المراجعة، فالاقتصاد في نهاية المطاف هو بشر قبل أن يكون أرقامًا، والعدالة الاجتماعية هي الضمانة الوحيدة لأي نمو مستدام، ونحن بانتظار تلك اللحظة التي يرتفع فيها صوت العقل المؤسسي ليضع حدًّا لحالة الارتباك الحالية، وليعلن أن إرادة الناس واحترام حقوقهم الاقتصادية هي البوصلة التي توجه أي قرار، فتداركوا الأمر قبل أن يترسخ الشعور بالغبن، فالبناء على أسس من الثقة والمشاركة هو السبيل الوحيد للنجاة الجماعية والعودة عن المسارات المتعثرة هي أولى خطوات النجاح المنشود.

زر الذهاب إلى الأعلى