مقالات الرأي

رمضان والمستشفيات المعطلة

بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين

كانت المستشفيات حديثة ومجهزة، تغطي البلاد، وتنتشر معها المستوصفات والمراكز الصحية والمجمعات الطبية وفق اعتبارات الجغرافيا والديموغرافيا. وكانت تعج بالكوادر الصحية الليبية والأجنبية المؤهلة، فلا تكاد توجد قوائم انتظار، والإمكانات متوفرة، والأدوية الأصلية تزيد عن الحاجة.
وفي رمضان الفضيل، كانت المستشفيات تستعد بجداول مناوبات منظمة وبرامج غذائية خاصة للمرضى والمرافقين والعاملين. وبناءً على رغبة مرضى الحالات الباردة غير المستعجلة، وكذلك الأطباء، كانت تُؤجَّل بعض التدخلات الطبية إلى ما بعد العيد، ما يتيح لإدارات المستشفيات فرصة إجراء الصيانات وأعمال الإحلال والتجديد.

ومع ذلك، كانت المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية تؤدي واجبها على مدار الساعة دون توقف، دون أن يتحمل المرضى أو ذووهم أي تكاليف، إذ كانت الخدمات متوفرة ومجانية بالكامل. وما لا يتوفر علاجه داخليًا، كان يُرسل للعلاج بالخارج على نفقة الدولة، برعاية كاملة لا تجعل المريض يشعر بالغربة.
وفي الشهر الكريم، ومع أذان المغرب، تجتمع العائلات حول موائد الإفطار، وتُضاء البيوت بالسكينة والألفة والمحبة. لكن خلف أبواب المستشفيات المعطلة في ليبيا، لا تتشابه الحكاية بين الأمس واليوم. فالألم لم يعد عابرًا، والرجاء وحده لم يعد كافيًا. لم يعد المريض يقف بين مهارة الطبيب ونعمة الله فقط، بل بين أسئلة مُحيِّرة: هل يوجد طبيب أصلًا؟ هل يتوفر الدواء؟ هل يعمل الجهاز؟ وهل المكان آمن؟
في بلدان أخرى قد يكون رمضان في المستشفى امتحانًا روحيًا، لكنه يظل داخل إطار نظام صحي قائم. أما هنا، فالإطار نفسه متشقق. فالمستشفيات العامة في كثير من المدن تحولت إلى مبانٍ قائمة بلا روح، أجهزة معطلة، وأقسام تعمل بنصف طاقتها أو لا تعمل إطلاقًا، وأطباء غائبون أو مرهقون أو موزعون بين التزامات متناقضة. وتمريض منهك يركض بين نقص الإمكانات وضغط المرضى. أما الأدوية، فناقصة، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والأورام والمناعية.
في رمضان لا يتوقف المرض، لكنه هنا لا يرتدي ثوب الرجاء فقط، بل يلبس أيضًا ثوب القلق والخوف. هناك مريض أورام يفطر على أمل وصول جرعته قبل أن يفوته البروتوكول العلاجي. وهناك مريض سكري يبحث عن الإنسولين كما يبحث غيره عن هلال العيد. وهناك أم تؤجل دمعتها حتى لا ترى ابنتها خوفها وهي تنتظر دواءً غير متوفر.
أما القطاع الخاص، فقد تحول إلى سوق بلا سقف، وتكلفة بلا وضوح ولا منطق، وفواتير تُفتح على المجهول. قد يتوفر السرير لمن يملك المال، لكن الأمان نفسه ليس مضمونًا. يدخل المريض الليبي أحيانًا دون أن يعرف كم سيخرج مدينًا، ولا إن كان سيخرج معافى.
وحين تضيق السبل، يبدأ طريق الغربة. في هذا الشهر الذي يفترض أن يجمع العائلة، يسافر كثير من المرضى خارج البلاد. يتركون موائد الإفطار، وصلاة الجماعة في مساجد اعتادوها سنين، ويتركون دفء الأهل بحثًا عن جهاز يعمل، ودواء متوفر، ونظام لا يسألهم أولًا عن قدرتهم على الدفع. يسافرون على نفقتهم الخاصة في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، ودولار يلتهم المدخرات، وتكاليف علاج وإقامة وسكن ومعيشة تتضاعف كل يوم.
مرض وخوف وغربة وشح أموال، وشعور قاسٍ بأن الوطن الذي يفترض أن يحتضنك في هشاشتك يدفعك إلى الطائرة أو إلى أول سيارة إسعاف مؤجرة. في رمضان يفطر بعضهم في غرف فندقية باردة أو شقق مؤجرة بدل أن يفطروا بين أبنائهم وذويهم. يسمعون الأذان من نافذة في مدينة غريبة، ويصبح الدعاء مضاعفًا للشفاء والعودة.
أما الكوادر الصحية، فهم أيضًا ضحايا هذا التشظي. أطباء يركضون من مناوبات عامة بلا إمكانات إلى عيادات خاصة مزدحمة. وممرضون ينتقلون بين مصحات متعددة، يستهلكهم التعب الجسدي والذهني. طاقات بشرية كان يمكن أن تكون عماد نظام صحي متماسك، تتحول إلى أفراد يحاولون النجاة بأنفسهم داخل فوضى سوق الخدمات الصحية.
وحين يفقد النظام تماسكه، يفقد المريض بوصلته. لا يعرف أين يذهب، ولا من يثق به، ولا التكلفة النهائية، ولا النتيجة المحتملة. وقد يضطر بعد رحلة علاج مكلفة داخل البلاد إلى بيع ما تبقى لديه، ثم يكتشف أن عليه السفر، فيبيع أكثر أو يستدين أو ينهار بصمت.
وهنا يصبح رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر الطمأنينة، شهر اختبار مضاعف. ليس اختبار الصبر على المرض فقط، بل اختبار الصبر على غياب النظام. في أماكن كثيرة من العالم يُقال إن الاطمئنان النفسي والروحي جزء من العلاج، وهذا صحيح؛ فالإيمان يخفف القلق، والطمأنينة تحسن المناعة، والرجاء يرفع الالتزام بالعلاج. لكن ماذا يحدث حين يكون العلاج نفسه مهددًا؟ حين يصبح الأمل بلا جهاز، وبلا دواء، وبلا منظومة واضحة؟
خلف أبواب المستشفيات في ليبيا لا يجتمع الألم والرجاء فقط، بل يجتمعان مع سؤال العدالة. لماذا يكون المرض في هذا البلد الغني الريعي مدخلًا للفقر؟ لماذا يتحول العلاج إلى مخاطرة مالية؟ ولماذا يصبح السفر للعلاج خيارًا شبه إجباري؟ ولماذا تُترك العائلات تتجرع ألم المرض والغربة والحاجة والقلق، والسؤال المعتاد في الغربة: هل سيأتي العيد وأنا هنا؟ وهل سأعود إلى بيتي أصلًا دون أن أفقد ما تبقى من أمان مالي وأسري؟
رمضان في المستشفى يمكن أن يكون مشهدًا إنسانيًا مفعمًا بالرجاء، لكن حين يغيب النظام الصحي القوي والمنصف والفعال، يتحول إلى مرآة قاسية تكشف خللًا أعمق. فالدواء ليس رفاهية، والأجهزة ليست كماليات، والنظام الصحي ليس خيارًا سياسيًا مؤجلًا؛ بل هو عقد أخلاقي ملزم بين الدولة والمواطن والمجتمع، قوامه ألّا يُترك الإنسان وحده حين يضعف. وحين يُترك، لا يكون الألم في الجسد فقط، بل في فكرة الوطن نفسها.
في أروقة بعض المستشفيات قد يولد الأمل مع كل أذان، لكن في بلد يتآكل فيه النظام الصحي، تولد حكايات أخرى أشد ألمًا وأكثر وجعًا.

زر الذهاب إلى الأعلى