مقالات الرأي

ماذا يجري في المشرق العربي؟!


بقلم د. مصطفى الزائدي


‏لا شك في أن ما يصدر من تصريحات من مسؤولين أمريكيين بالدرجة الأولى وصهاينة ليس ناتجًا عن زلات لسان ولا أخطاء في الصياغة ولا أمور عابرة تتناول حالات سياسية عادية، بل هو إعلان ببدء مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل المشرق العربي سياسيًّا وأمنيًّا بما يخدم أهداف الكيان الصهيوني ويؤمِّن تفوقه السياسي والعسكري وسيطرته على موارد المنطقة وفق ما تطلبته السياسات المرسومة بعد الحرب العالمية الثانية من إدارة المنطقة لمصلحة الغرب الاستعماري، وبما يمنع بناء دولة عربية موحدة مستقلة تستطيع أن ترسخ الاستقلال وتطور حياة سكان المنطقة بعيدًا عن الأطماع الغربية وسياسات النهب التي نُفذت في مرحلة الاستعمار.
‏تبجح الرئيس ترامب قبل أيام قليلة بقيامه شخصيًّا بتنصيب أحمد الشرع – محمد الجولاني سابقًا – رئيسًا لسوريا، ووصفه بأنه شخصية قوية وليست بسيطة، لا يمكن أن يُحسب في إطار الاستعراض الترامبي، بل هو تبيان لحقيقة للبناء عليها ولتجاوز المرحلة التي قُدم فيها أحمد الشرع للغرب بأنه جهادي إسلامي ثائر ضد الاستبداد والدكتاتورية والقمع وما إليها من شعارات مزيفة، وذلك بقصد تسويقه كمنقذ حتى يتمكن الغرب والكيان من إسقاط الدولة السورية والسيطرة عليها وإدارتها لمصلحتهم، ولإعادة تقديم الجولاني الإرهابي سابقًا باسم جديد وفي شكل جديد هو أحمد الشرع، وليكون نموذجًا لمضمون السياسة الأمريكية، وبالتالي السياسة الصهيونية في المنطقة، لأن الاستمرار في إخفاء هذه الحقيقة عن الرأي العام الغربي والعالمي يضر بالخطوات التكتيكية التي يجري تنفيذها على الأرض. فهو يريد القول بأنهم نجحوا في الاستيلاء على سوريا وإدارتها لخدمة المشروع الصهيوني، ربما لكي لا يعترض أحد من المنظومة الغربية على ما يجري في سوريا، وحتى يُفهم أن فكرة بناء دولة درزية في السويداء والقنيطرة هي ضمن السياسة الأمريكية الصهيونية، وليست عملًا عفويًّا أو عبثيًّا خرج بدون مقدمات. وهكذا سيُفهم التوافق بين الأكراد والشرع بكونها صارت كلها تابعة من الناحية العملية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وهكذا ينبغي قراءة المعلومات المسربة بأن الكيان الصهيوني هو من طلب من الولايات المتحدة الانسحاب من قواعدها العسكرية في سوريا، فكلاهما يريدان أن يتصرف الكيان في سوريا منفردًا، وحتى تُعطى أسباب للشرع بالمطالبة بخروج القوات الروسية والتركية من سوريا لتصبح محمية تابعة للكيان.
‏لكن الأخطر والأكثر وضوحًا ما قاله السفير الأمريكي في الكيان، هاكابي، في لقائه مع الصحفي تاكر كارلسون، وإعلانه صراحة حق الكيان في إقامة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات وتضم سوريا والعراق وشرق مصر وشمال المملكة العربية السعودية والأردن. وقال السفير الأمريكي إن الخريطة الموجودة حاليًا وُضعت على عجل بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أقام الإنجليز إمارة شرق الأردن ومنحوها للأردنيين والفلسطينيين، وأسسوا العراق وقسموا الجزيرة العربية وحافظوا على محميات الخليج العربي، وكذلك قام الفرنسيون بوضع خريطة تقسيم الشرق الأوسط، وأقاموا سوريا ولبنان وسيطروا عليهما. وقال السفير الأمريكي دون مواربة إن الوقت قد حان لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، وكان السفير الأمريكي المتهم في وثائق إبستين كرر ذلك علنًا في بيروت قبل شهور.
هاكابي طالب بتحقيق الوعد الإلهي لشعبه المختار في إقامة إسرائيل الكبرى بين النيل والفرات استنادًا إلى أساطير توراتية!
عضو الكونغرس غراهام يجوب المنطقة متحدثًا عن حق الكيان في إبادة الفلسطينيين، ويصف الحرب العدوانية التي يشنونها في المنطقة بأنها حرب دينية للقضاء على الإسلام وتحقيق سلام يستمر لألف عام بعد أن تنتصر دولة الكيان، ويقول إن المعركة القادمة هي معركة دينية كبرى بين الدين الإسلامي والديانتين المسيحية واليهودية، وإنها ينبغي أن تنتهي بانتصار ساحق على المسلمين لأنهم يشكلون خطرًا على الديانة اليهودية والمسيحية على حد قوله. ومن عجائب الأمور أن تصريحات الصهيوني المتعصب غراهام جاءت في أرض عربية وأمام مسؤولين وصحافيين عرب.
هذه التصريحات كلها ليست مستغربة، فهي كانت معلومة في الدوائر السرية، ونجحت ماكينة الدعاية الغربية في إخفائها من خلال حرب نفسية حاولت التقليل من شأنها سابقًا بالقول إنها غير موجودة، وإنما هي من خيالات أصحاب نظرية المؤامرة!
‏السؤال: كيف سيتعامل العرب والمسلمون مع هذه المستجدات؟ للأسف فإن الصهاينة وداعميهم المستعمرين يربطون أقوالهم بالأفعال، فهم يقولون ويفعلون! لقد نجحوا في السيطرة على سوريا، وتدمير مكامن القوة في الوطن العربي في ليبيا والعراق بتدمير مؤسسات الدولة ونشر الفوضى والعبث بها، وتمكنوا من إحكام السيطرة على القرار السياسي في دول الخليج العربي وموارده المالية، ويحاصرون مصر، ويحاولون القضاء المادي على حركة المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن وغيرها، والآن يقرعون طبول الحرب ضد إيران باعتبارها قاعدة للعمل المقاوم، ولنجاحها في إعداد بعض القوة لمواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري.
الحكومات العربية الضعيفة التي تم تخويفها وإرهابها – بما حدث للقيادات العربية الوطنية التي رفضت المشروع الاستعماري – تحاول بيع الوهم برفض مخطط “إسرائيل الكبرى” بالخطابات الرنانة والبيانات الإنشائية الجوفاء. أما الجماهير العربية فهي منشغلة بمشاكلها المعيشية، تبحث عن قوت يومها. وأما النخب العربية فلا يزال أغلبها في حالة صدمة.

زر الذهاب إلى الأعلى