مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 29


مهدي أمبيرش


منذ أن بدأنا المداخلات حول السؤال الفلسفي ما الإنسان، والذي ذكرنا أن هناك فرقًا بين الفلسفة بالنظر إلى أنها مشروع للتفكير منفتح على الوجود بما هو الحقيقة أو المعنى المطلق والوصف بالمطلق نفهم منه أنه لا يمكن تحيّزه أو وضعه ضمن محدود منطقي، ومن ثَم يختلف السؤال الفلسفي عن الاستفهام المنطقي كما يختلف المفهوم عن المعنى أو الموجود عن الوجود أو الحقيقة عن المتحقق، يبدو أن هذه، وهو ما أكدنا عليه مرارًا أن المشكلة من الأساس هي مشكلة معرفية تبدأ من جهل الإنسان بحدوده إلى وهم هذا المحدود أنه قادر ليس فحسب عن إدراك المطلق، بل وأن يتملكه.
لقد ذكرنا في مداخلة سابقة أن قولنا كل الفكر فكر معاصر لا نقصد منه فحسب بقاء هذه المشكلة الأساس، بل لأن الإنسان غير قادر على أن يفهمَ أن له وسعًا محدودًا ومن ثم يقع في جملة من الإشكالات، قد تتمثل في توهم أن المتحقق هو الحقيقة ويتخذ بذلك مسارًا تراجعيًّا ارتكاسيًّا، قد يوصف اليوم بأنه الموقف السلفي من حركة التاريخ، وكأن القول إن الذين سبقونا كانوا الحقيقة أو المطلق وليس أمامنا إلا أن نقلده، إن هذا التفكير سوف يقودنا إلى ما يعرف بالعدمية أي التوقف الكامل لحركة التفكير ومن ثَم حركة التاريخ، وهذا ما وجدناه في أزمة الحلولية القديمة كالشامانية الهندية، وأن إدراك المطلق لا يتم إلا من خلال طقوس معينة أو وسائل لإدراك هذه الغاية، وقد فهم هؤلاء أن الحل يكون بالسكونية والتخلص من التغير والصيرورة وعذاب الكارما والسماسرة، قد يستغرب البعض من النتيجة التي وصلنا إليها والتي تقول إن سقراط وأفلاطون كانا بالنتيجة مفكرين عدميين، وليسا في حاجة إلى إثبات ذلك، والذي قد يظهر عندما نشرع في كتابة مبحث آخر حول التطهير والطقوس القديمة المتجددة في الوصول إليه.
إن عالم المُثل المفارق في السماء في نظر سقراط وأفلاطون هو عالم الكمالات، ومن ثَم فإن الذي يمكن إدراكه من الموجودات ليس إلا وهمًا، بل إنها ثقل وكثافة تحول دون تحرر النفس وعودتها إلى السماء، فالمثالية إذًا هي القول بعالم المفارق ومطلق وصافٍ وساكن، ويكون الحل هو إما بالموت كما يقول سقراط في مقولته التي سبق ذكرها (إن الموت مطلب الفلاسفة) حيث التحرر من الجسد لا يكون إلا بالموت على أن تلميذه أفلاطون يختلف عنه في الوسيلة، فهو لا يرى أن الخلاصة بالموت بل بمعراج صوري استقاه من المعراج الزرادشتي، والأخير كان حسيًّا، حيث زرادشت يقول إنه تمكن من الصعود إلى السماء على ظهر حيوان خرافي بين البغل والحصان، أفلاطون لا يقول ذلك، بل يستبدل الجدل الصاعد والجدل الهابط بمعراج زرادشت الخرافي، هنا تبدو الأزمة واضحةً، فمثالية أفلاطون محاولة للتخلص من الثنائية أو اللاهوت القديم الذي يقسم الكون إلى ثنائية سماءٍ وأرض حيث السماء موطن الإله والمقدس والطاهر، وأن الأرض موطن المدنس، وفي الجمهورية يظهر أفلاطون معترفًا بأن الصراع بين عالم المثل وعالم الأرض يبدو مستحيلًا إنهاؤه ، وأن الحل لا يكون إلا بإيجاد برزخ يفصل بين الاثنين، فثيوس الذي سبق أن ذكرناه يمثل المقدس أو الإلهي أو حسب التقسيم الطبقي السادة أو الحكام أو الأرستوقراطية مقابل الدهماء أو السواد أو العامة الذين ذكرنا أنهم الديموس المصطلح الفينيقي القديم الذي استعاره أفلاطون واستخدمه، كما يستدعي أفلاطون التصور الخرافي القديم الذي يرسخ هذه الثنائية ويجعل من هرمس هذا الوسيط أو المؤول ليتخذ هذا نفسه بعدًا في الدراسات اللسانية واللغوية حتى اليوم فالتأويل هو ادعاء معرفة قصد الأول على أساس أن اللغة المثالية المفارقة مجردة من المادة وأن الإله لا يتحدث إلا رمزًا، ولا تزال هذه الفكرة قائمة إلى اليوم، خاصةً من المفكرين الماديين في الوضعية الفرنسية والوضعية المنطقية والعبرانية.
إن الثيموس الأفلاطوني يقوم بدور هرمس، ومن ثَم أشرنا في مداخلات سابقة إلى انتصار أفلاطون للاسم في مقابل الفعل كما في محاولة كراتيلوس، وتبقى الحقيقة القبلية المفارقة تسيطر على تفكير أفلاطون، الذي كما أشرنا يستخدم أسلوبًا آخر في التطهير والتجرد استعاره من الهندوسية، أي من خلال التناسخ، فالأجساد فانية ولأن النفس هي التي تبقى فإنها تتطهر من خلال تقمصها حيوانات لا تختلف في طبيعتها عن الجسد الذي كانت به النفس، أما أرسطو الذي قلنا إنه يحمل مشروعًا يختلف عن مشروع أفلاطون الإصلاحي لأثينا، لأنه أي أرسطو أستاذ الإسكندر المقدوني يقدم مشروعًا إمبراطوريًّا توسعيًّا، فهو ليس معنيًّا بإصلاح مدينة، ومن ثَم كان لا بد أن ينزل هذه المثل المفارقة إلى الأرض، وبدل أن يتخذ مسارًا رأسيًّا إلى السماء دعا إلى مسار أفقي على الأرض، كما استبدل الأنتلخيا، أي طلب أن يكون الإنسان سعيدًا في كل مرة بدل اليودايمونيا أو السعادة، وبمصطلح لساني إنه يتبنى إمكانية إدراك المفهوم لا المعنى والموجود لا الوجود، ومن ثَم نعتبر أن أرسطو هو الذي تبنى الوسط بين مثالي أفلاطون ومادية السفسطائيين، كما يكون أرسطو هو المؤسس لما عرف بالفلسفة المادية الطبيعية، التي سنفرد لها مداخلةً حول الفرق في اللاهوت بين أوغسطين وتوما الأكويني، والفرق بين المدرسة المثالية الألمانية والمدرسة الوضعية الفرنسية والوضعية المنطقية العبرانية اليهودية.

زر الذهاب إلى الأعلى