الدولرة” كحلٍّ زائف: قراءة اقتصادية وسياسية في دعوة “ستيف هانكي”

عثمان الدعيكي
أثارت في الآونة الأخيرة دعوة الاقتصادي الأمريكي “ستيف هانكي” إلى التخلي عن الدينار الليبي واعتماد الدولار الأمريكي، بحجة أن الدينار يُصنَّف ضمن “خامس أسوأ عملات العالم”، جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والسياسية الليبية. ورغم ما قد يبدو على السطح من وجاهة رقمية لمثل هذه التصنيفات، فإن الخوض في هذا الطرح يكشف عن مخاطر عميقة تمس جوهر الاقتصاد الليبي وسيادة الدولة واستقلال قرارها الوطني.
قبل عام 2011، كان الدينار الليبي يُصنَّف من أقوى العملات في إفريقيا والعالم العربي. فقد حافظ لسنوات طويلة على سعر صرف مستقر بلغ نحو 1.3 دينار مقابل الدولار، ووصل في فترات سابقة إلى أقل من دينار واحد للدولار. هذا الاستقرار لم يكن مصطنعًا، بل استند إلى معطيات اقتصادية حقيقية؛ إذ كانت ليبيا دولة موحدة مستقلة بقرارها السياسي والاقتصادي، تمتلك احتياطيات نقدية تجاوزت 170 مليار دولار عام 2010، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى حجم مخزون من الذهب بلغ 180 طنًّا، حسب تقارير مصرف ليبيا المركزي، وهذه الأرقام من أعلى الاحتياطيات في العالم قياسًا بعدد السكان.
كما بلغ الناتج المحلي الإجمالي آنذاك نحو 75 مليار دولار، مع دين عام شبه معدوم، ونسبة دين إلى ناتج محلي أقل من 5%، في وقت كانت فيه دول كثيرة تعاني من مديونية خانقة. إضافة إلى ذلك، كانت ليبيا تنتج ما يقارب 1.6 مليون برميل نفط يوميًّا، بعائدات سنوية فاقت 50 مليار دولار في بعض السنوات، وهو ما وفر غطاءً قويًّا للدينار، ومكَّن الدولة من تمويل وارداتها دون ضغوط على سعر الصرف.
هذه الموارد هي ذاتها بعد 2011. ليبيا ما زالت تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا، يقدر بأكثر من 48 مليار برميل، ولا تزال عائداتها النفطية تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة. كما أن الاحتياطيات الأجنبية، رغم تراجعها، ما زالت تدور حول 80–85 مليار دولار حتى عام 2024، وهي كفيلة نظريًّا بدعم استقرار العملة الوطنية. ما الذي تغيَّر إذن؟
التحول الجوهري كان سياسيًّا ومؤسسيًّا. فمنذ 2014، دخلت البلاد في حالة انقسام سياسي حادٍّ، نتج عنه وجود حكومتين متوازيتين، ومؤسسات مالية منقسمة، وإنفاق عام خارج إطار الميزانية العامة. وتشير تقديرات محلية ودولية إلى أن الإنفاق العام تضاعف تقريبًا خلال سنوات الانقسام، ليتجاوز 120 مليار دينار سنويًّا في بعض الأعوام، في حين لم تتجاوز الإيرادات الفعلية هذا المستوى، ما أدى إلى تمويل العجز بوسائل غير مباشرة، أبرزها التوسع في طباعة العملة وتغيير سعر الصرف.
واستُخدم سعر الصرف كأداة لتمويل الإنفاق العام، لا كأداة لضبط الاقتصاد، أدى إلى ارتفاع الدولار في السوق الموازية من أقل من 1.3 دينار قبل 2011 إلى ما يقارب 10 دنانير في ذروة الأزمة، ما انعكس مباشرة على معدلات التضخم التي تجاوزت 25% في بعض السنوات، وأضعف القوة الشرائية للمواطن، وأفقد الدينار جزءًا كبيرًا من الثقة.
في هذا السياق، تبدو الدعوة إلى “الدولرة” هروبًا من جذور الأزمة. فالتجارب الدولية تثبت أن التخلي عن العملة الوطنية لا يعالج الاختلالات الهيكلية. لبنان، الذي شهد دولرة واسعة للاقتصاد، انهار ناتجه المحلي من نحو 55 مليار دولار عام 2018 إلى أقل من 20 مليار دولار بعد 2022، وتراجعت عملته بأكثر من 95%، رغم الاعتماد الكبير على الدولار. الإكوادور، التي اعتمدت الدولار رسميًا منذ عام 2000، تعاني اليوم من عجز مالي مزمن ونمو اقتصادي ضعيف لم يتجاوز في المتوسط 2% خلال عقدين. أما زيمبابوي، فقد شهدت فقدان الدولة السيطرة على سياساتها النقدية، وتآكل القدرة الإنتاجية رغم “الدولرة”.
سياسيًّا، فإن التخلي عن الدينار يعني التخلي عن أداة سيادية أساسية. الدولة التي لا تمتلك عملتها تفقد قدرتها على رسم سياساتها الاقتصادية المستقلة، وتصبح خاضعة لتقلبات وسياسات دولة أخرى. وفي حالة ليبيا، حيث الانقسام السياسي لم يُحسم بعد، فإن “الدولرة” قد تعمِّق التبعية وتفتح الباب أمام وصاية غير معلنة على القرار الوطني.
إن انهيار الدينار الليبي لم يكن نتيجة ضعفه الذاتي، ولا بسبب فقر الاقتصاد، بل نتيجة مباشرة للانقسام السياسي، وتعدد مراكز القرار، والإنفاق غير المنضبط في غياب أدوات رقابية فاعلة. وعليه، فإن استعادة قوة الدينار تمرُّ عبر توحيد المؤسسات، وإقرار ميزانية موحدة، وضبط الإنفاق العام، وليس عبر استبدال العملة الوطنية بعملة أجنبية. فالإصلاح الحقيقي سياسي واقتصادي في آن واحد، أما “الدولرة” فليست سوى حل زائف يحمل مخاطر أكبر من الأزمة ذاتها.
