الدراما على مائدة الإفطار.. فن يحترم أخلاقنا وهويتنا

محسن بن طاهر
في شهر الصيام، حين تجتمع العائلة الليبية حول مائدة الإفطار، لا يكون الطعام وحده هو ما يُقدَّم، بل يُقدَّم معه القيم وتستعاد الذكريات وتُنسج حكايات الأجداد في دفء البيوت العامرة بالمودة. تلك اللحظات التي تسبق أذان المغرب وتمتد بعده كانت عبر سنوات طويلة مساحة صفاء روحي واجتماعي، يلتقي فيها الصغير بالكبير ويتقاسم الجميع لقمة وكلمة وابتسامة. غير أن الشاشات المرئية، بما تحمله من دراما ومسلسلات، أصبحت اليوم شريكًا دائمًا على تلك المائدة، تؤثر في الحوار وتوجه المزاج وتعيد تشكيل المفاهيم وتفرض إيقاعها على تفاصيل الجلسة العائلية.
لسنا ضد الدراما من حيث المبدأ، فهي فن قادر على معالجة القضايا الاجتماعية وتسليط الضوء على التحديات اليومية وبناء وعي جمعي ناضج. الدراما كانت دائمًا مرآة المجتمع، تعكس آماله وآلامه وتفتح نوافذ للنقاش البناء وتقدِّم نماذج إيجابية تلهم الشباب وتدفع نحو الإصلاح. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما يُعرض على شاشاتنا ينسجم مع طبيعة المجتمع الليبي المحافظ؟ وهل تحترم بعض الأعمال خصوصية مائدة الإفطار وقدسية الشهر وحساسية الأسرة التي تجتمع بكل أجيالها أمام شاشة واحدة؟
لقد أصبح من الملاحظ أن بعض المسلسلات تستسهل الإثارة على حساب القيمة، وتستبدل الكلمة الرصينة بعبارات سطحية، وتدخل في الحوارات مصطلحات لا تتناسب مع ثقافتنا المحتشمة ولا مع ذوق العائلة الليبية. تطرح قضايا مهمة، نعم، لكن بأسلوب صادم أحيانًا أو بلغة لا تراعي وجود الأطفال واليافعين على المائدة، فيتحول النقاش من فرصة تربوية إلى حالة حرج وصمت ثقيل. وهنا يكمن الخلل، ليس في طرح المشكلة، بل في طريقة عرضها، وفي غياب الحس التربوي الذي ينبغي أن يصاحب كل عمل يُبث في وقت الذروة الرمضانية.
الغزو الثقافي لا يأتي دائمًا في صورة مباشرة، بل يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة، مفردة تتكرر حتى تصبح مألوفة، سلوك يُعرض بلا نقد فيفهم وكأنه طبيعي، صورة نمطية تتكرس حتى تترسخ في الأذهان. ومع مرور الوقت، تتغير الحساسية الأخلاقية ويضعف الاستهجان، ويُعاد تعريف المقبول والمرفوض وفق ما تفرضه الشاشة، لا ما تمليه القيم. ويتحول الاعتياد إلى قناعة، ويصبح ما كان مستهجنًا أمرًا عاديًّا لا يثير سؤالًا ولا اعتراضًا.
إننا حين نتحدث عن الدراما الرمضانية، لا نتحدث عن ترف إعلامي، بل عن مادة يومية تدخل كل بيت وتؤثر في تشكيل وعي جيل كامل. فالطفل الذي يشاهد ويتابع ويتعلق بالشخصيات يتعلم من دون أن يشعر، واليافع الذي يبحث عن قدوة قد يجدها في بطل مسلسل أكثر مما يجدها في كتاب أو محاضرة. لذلك، فإن مسؤولية الكلمة والصورة مضاعفة، لأنها لا تخاطب فردًا، بل تخاطب أسرة ومجتمعًا بأكمله.
نحن عائلات ليبية محافظة، نعتز بديننا وتقاليدنا، ونؤمن أن الفن رسالة لا تقل أهمية عن المنبر التعليمي أو التربوي. نريد دراما تعالج مشكلاتنا الحقيقية: البطالة، التفكك الأسري، غلاء المعيشة، صراع الأجيال، تحديات الشباب، الهجرة، الطموح، والإحباط، بروح إصلاحية، لا بروح تهكم أو ابتذال. نريد أعمالًا تبرز القدوة الحسنة، وتعيد الاعتبار للكلمة الطيبة، وتشجع على الحوار داخل البيت، بدل أن تشعل الجدل العقيم أو تزرع قيمًا دخيلة لا تشبهنا.
كما نحتاج إلى نصوص مكتوبة بوعي عميق، تدرك طبيعة المجتمع الليبي وتركيبته الاجتماعية، وتحترم خصوصية الأسرة، وتوازن بين الجرأة في الطرح والالتزام الأخلاقي، فلا تكون الجرأة ذريعة لكسر الثوابت، ولا يكون الالتزام سببًا في السطحية. يمكن للدراما أن تكون ممتعة ومشوقة وفي الوقت نفسه محترمة وهادفة، ويمكنها أن تجمع العائلة حول قصة جميلة تزرع الأمل وتعالج الجراح من دون أن تخدش الحياء أو تهدم الثوابت.
المسؤولية هنا مشتركة بين الكاتب الذي يخط الكلمة، والمخرج الذي يختار الزاوية، والمنتج الذي يحدد الأولويات، والقناة التي تقرر ما يُعرض وفي أي توقيت. كما أن للأسرة دورًا في الانتقاء والتوجيه، وفي فتح نقاش واعٍ مع الأبناء حول ما يشاهدون، حتى لا تكون الشاشة هي المربي الأول ولا المرجعية الوحيدة.
مائدة الإفطار ليست مجرد لحظة عابرة في اليوم، بل هي رمز لوحدة العائلة وتماسك المجتمع. فإذا كانت الدراما حاضرة فيها، فلتكن على قدر هذه الرمزية. نريد فنًّا يحترم عقولنا، ويصون أخلاقنا، ويسهم في بناء مجتمع متوازن، لا فنًّا يلهث وراء نسب المشاهدة على حساب القيم.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل صانع محتوى: أي أثر تريد أن تتركه في بيوت الناس؟ فالكلمة مسؤولية، والصورة أمانة، ومائدة الإفطار أقدس من أن تكون ساحة لتجارب لا تراعي هوية المجتمع وعمق انتمائه. فإما أن تكون الشاشة جسرًا يعزز أخلاقنا ويقوي تماسكنا، أو تتحول إلى نافذة مفتوحة على كل ما يبعثر هويتنا ويضعف ثوابتنا. والاختيار اليوم بيد من يكتب، ومن ينتج، ومن يعرض، وبيدنا نحن أيضًا حين نقرر ماذا نتابع وماذا نرفض، حفاظًا على بيوتنا وعلى صورة مجتمع نريده متماسكًا، أصيلًا، وفيًّا لقيمه عبر كل زمان.
