مقالات الرأي

رمضان بين نور المحراب وعاصفة الاتهام


فرج بوخروبة


بينما تتلألأ المآذن في شهر الصيام، ويتهيأ الناس لموعدٍ سنوي مع الصفاء والسكينة، تتصاعد في المقابل حرارة المنابر السياسية، وتشتد وتيرة الاتهامات المتبادلة حول الصرف والفساد واحتكار الحقيقة. كأننا أمام مشهدين متوازيين: شعبٌ يبحث عن الطمأنينة، ونخبٌ تتبارى في صخب الخصومة.
رمضان ليس مجرد زمن ديني، بل حالة أخلاقية جماعية. هو موسم تربية على كبح الشهوة، وضبط اللسان، ومراجعة النفس. غير أن مفارقة هذا العام كما أعوام سابقة أن السياسة عندنا لا تصوم. الكلمات لا تُهذَّب، والاتهامات لا تُؤجَّل، والخصومات لا تُراجَع. كل طرف يزعم أنه الأحق بالحكم بداعي المصلحة العامة، وكل فريق يرفع لواء “الإنقاذ” فيما الوطن يئن بينهما.
المشكلة ليست في الاختلاف؛ فالاختلاف سنَّة حياة. وليست في النقد؛ فالنقد عافية الأمم. إنما الخطر حين يتحول الخلاف إلى معركة كسر عظم، وحين يُستبدل السؤال عن “كيف نخدم الناس؟” بسؤال “كيف نهزم الخصم؟”. هنا تتراجع المصلحة العامة من كونها هدفًا إلى كونها شعارًا.
في شهرٍ يُعلِّمنا أن الامتناع قوة، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الخطابة، تبدو الحاجة ملحَّة إلى “صيام سياسي” موازٍ: صيام عن المزايدات، عن شيطنة المختلف، عن استسهال تخوين الخصوم. ليس المطلوب هدنة شكلية تُستأنف بعدها المعارك، بل مراجعة صادقة تعترف بأن الأزمة المستمرة ليست قدرًا، بل نتيجة خيارات وخطابات.
لقد اعتدنا في سجالاتنا أن تُختزل الدولة في شخص، وأن تُختزل المعارضة في خصومة، وأن تُختزل الوطنية في موقف آني. لكن الأوطان أكبر من حكوماتها وأوسع من معارضيها. هي شبكة مصالح عامة، وآمال مشتركة، ومصير واحد. حين يغيب هذا الوعي، يتحول الجدل إلى طاحونة تطحن الثقة العامة قبل أن تطحن الخصوم.
رمضان يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تعريف القوة. القوة ليست في رفع الصوت، بل في خفضه عند الحاجة. ليست في استعراض الملفات، بل في تقديم البدائل. ليست في كسب جولة خطابية، بل في حماية الاستقرار دون خنق المساءلة. الفساد إن وُجد لا يُحارب بالشعارات، بل بمؤسسات مستقلة، وشفافية فعلية، ورقابة لا تخضع لمزاج السياسة.
والحكم، أي حكم، لا يُشرعن بكثرة التبريرات، بل بقدرته على توسيع دائرة الرضا العام، وباستعداده للاعتراف بالخطأ قبل أن يُفرَض عليه الاعتراف. كما أن المعارضة الرشيدة لا تُقاس بحدة خطابها، بل بعمق رؤيتها وقدرتها على تقديم مشروع قابل للحياة.
لسنا بحاجة إلى مقالات غضب بقدر حاجتنا إلى أفكار شجاعة. فكرة تقول إن الصراع الصفري ليس قدرًا. إن إدارة الخلاف يمكن أن تكون مؤسسية لا شخصية. إن الاتهام ليس برنامجًا، وإن النوايا الطيبة، حتى لو صدقت، لا تكفي لإدارة دولة.
في هذا الشهر، حين تجتمع العائلات على مائدة واحدة رغم اختلاف طباعها، يمكن للسياسة أن تتعلم درسًا بسيطًا: التعايش لا يلغي الاختلاف، لكنه يمنع تحوُّله إلى قطيعة. والموائد التي تجمع المختلفين أقوى من المنابر التي تفرِّقهم.
رمضان ليس هدنة إعلامية، بل فرصة أخلاقية. إما أن نحوله إلى موسم إضافي لتراشق البيانات، أو نجعله لحظة شجاعة نكسر فيها دائرة التوهان. بين الخيارين يقف وطن ينتظر من نخبه أن تصوم قليلًا عن ذاتها، لتفطر على مصلحة شعبها.
وكل عام والوطن بخير.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى