مقالات الرأي

اختبار السلام


محمد علوش


في لحظة دولية تتزاحم فيها المبادرات وتتشابك فيها المصالح، يبرز ما يسمَّى “مجلس السلام” كمحاولة أمريكية لإعادة ضبط إيقاع المشهد الإقليمي من بوابة التسويات الكبرى، غير أنَّ قيمة أي إطار سياسي لا تقاس ببريق الإعلان عنه، بل بقدرته على معالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بإدارة مظاهره أو إعادة تدوير أزماته.
غير أنَّ القراءة الواقعية تفرض التحذير من الرهان على أوهام أمريكية أثبتت التجربة محدوديتها، ولا سيما حين تتحول المبادرات إلى أدوات تخدم أولويات إسرائيل السياسية والأمنية، أو إلى مظلات تستخدم لإنقاذ قيادتها من أزماتها الداخلية والخارجية، فالمشاريع التي تقدَّم بوصفها “خطط سلام” قد تنتهي، عمليًّا، إلى إعادة إنتاج اختلال موازين القوة، وتوفير غطاء سياسي لسياسات قائمة.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن “مجلس السلام” ولد وسط تساؤلات جدِّية حول طبيعة الشراكة التي يقوم عليها، فتراجع الحضور الأوروبي، والاكتفاء بتمثيل محدود أو رمزي، لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًّا عابرًا، بل مؤشرًا على خلل في تعريف الدور وتوزيع النفوذ، فأوروبا، التي خبرت طويلًا موقع المموِّل في ملفات الشرق الأوسط، تدرك أن السلام لا يصنع بمن يدفع الكلفة فقط، بل بمن يشارك في القرار، وأي تجاهل لهذا التوازن يعيد إنتاج أزمة الثقة ذاتها التي عطَّلت مبادرات سابقة.
على مستوى التركيبة، لا تدخل الدول المشاركة المجلس باعتباره منصة شكلية، بل ساحة لحسابات دقيقة، فالدول العربية والإسلامية، على وجه الخصوص، انخرطت في هذا المسار انطلاقًا من قناعة مفادها أن الضغط الأمريكي، إن توافرت الإرادة السياسية، قادر على كبح السياسات الإسرائيلية وفتح أفق سياسي جاد، غير أن هذه المشاركة ليست تفويضًا مفتوحًا، بل رهان مشروط بنتائج ملموسة تقاس بالأفعال لا بالتصريحات.
في المقابل، تبدو إسرائيل حاضرة بدافع مختلف؛ فانضمامها يمنحها فرصة التأثير في مسار القرارات من الداخل، ويخفف عنها وطأة العزلة المتنامية، غير أنَّ التجربة تظهر أنها تجيد توظيف الأطر الدولية لاحتواء الضغوط لا للامتثال لها، ومن دون التزامات واضحة وقابلة للقياس، يتحول أي إطار جماعي إلى مساحة تعطيل مبطَّن، تفرِّغ فيها القرارات من مضمونها قبل أن ترى النور، والخلل الأعمق لا يتصل بالبنية التنظيمية لما يسمَّى مجلس السلام، بل بمقاربته السياسية، فالفصل بين مساري قطاع غزة والضفة الغربية يعيد إنتاج خطأ استراتيجي؛ إذ إن ما يجري في الضفة الغربية ليس تفصيلًا إداريًّا، بل مسار متسارع لفرض وقائع احتلالية استعمارية تمسُّ جوهر القضية الفلسطينية، ولا يمكن الحديث عن “سلام شامل” في ظل تجاهل سياسات الاستيطان التوسعية وتغيير معالم الأرض، وكأن المسألة محصورة في ترتيبات إنسانية هنا أو تهدئة مؤقتة هناك.
السلام العادل يقتضي معيارًا واحدًا يطبَّق على الجميع، ويستلزم إرادة سياسية لا تسمح بازدواجية المعايير، فإذا بقي هذا المجلس إطارًا لإدارة التهدئة دون معالجة جذور الصراع، فسيظل يدور في حلقة مفرغة، والاختبار الحقيقي له لن يكون في بياناته ولا في عناوينه العريضة، بل في قدرته على ترجمة التعهدات إلى قرارات متوازنة تنفَّذ على الأرض.
لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار في المنطقة يبدأ من الاعتراف العملي بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة الدولة المستقلة على أرضها، ومن دون ذلك، ستبقى المبادرات تدور في فلك إدارة الصراع لا حله، وسيظل السلام وعدًا مؤجلًا، ما لم تتحول الإرادة السياسية من إدارة الأزمة إلى إنهاء أسبابها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى