مقالات الرأي

رمضان والصحة

د.علي المبروك أبوقرين

رمضان ليس تجربة بيولوجية عابرة تتعلق فقط بتوقف مؤقت عن الطعام والشراب، بل هو تجربة وجودية عميقة يعيد فيها الإنسان ترتيب علاقته بجسده وزمنه وعاداته، ويستعيد من خلالها شيئًا من التوازن الذي تستهلكه وتيرة الحياة الحديثة المتسارعة.

الصيام ليس امتناعًا قسريًا بقدر ما هو تمرين واعي على ضبط الإيقاع الداخلي للإنسان، إيقاع الجسد والنفس معًا، ولذلك ارتبط تاريخيًا بفكرة الاعتدال لا الحرمان، وبفلسفة التوازن وليس المنع، وهذا الاعتدال لا يقتصر على كمية الطعام فقط بل يمتد إلى طريقة الأكل وإيقاع النوم، ومستوى التوتر النفسي، وحتى نمط العلاقات الاجتماعية.

الجسد البشري رغم قدرته الكبيرة على التكيف، يحتاج دائمًا إلى فترات إعادة ضبط يستعيد فيها كفاءته الحيوية، ويعيد تنظيم عملياته الأيضية والنفسية، والصيام يمثل إحدى هذه الفرص السنوية التي تجمع بين البعد الصحي والبعد الروحي في آن واحد، غير أن المفارقة التي تتكرر في كثير من المجتمعات تكمن في تحول هذا الشهر الذي يفترض أن يكون مدرسة للاعتدال إلى موسم إفراط غذائي وسهر طويل واضطراب واضح في النوم والنشاط البدني، فتضيع الحكمة الصحية للصيام ويتحول إلى عبء بدلاً من أن يكون مصدر عافية. فالتخمة وقلة النوم والتوتر الاجتماعي، كلها عوامل قد تُضعف الفوائد الصحية المتوقعة من الصيام بل قد تقود أحيانًا إلى نتائج عكسية.

وهنا تبرز القاعدة الذهبية للصحة في رمضان بل وفي الحياة عمومًا وهي أن الاعتدال ليس خيارًا ثانويًا بل ضرورة بيولوجية ونفسية، إن الاعتدال في الطعام يمنح الجهاز الهضمي فرصة للعمل بكفاءة دون إرهاق، والهدوء النفسي يساعد الجهاز العصبي والمناعي على أداء وظائفهما بشكل أفضل، وتنظيم النوم يعيد التوازن الهرموني، أما الحركة المعتدلة فتضمن استمرار الحيوية البدنية دون إجهاد.

والصحة هي ليست مجرد غياب المرض بل هي حالة انسجام بين الجسد والنفس والسلوك اليومي، وهي نتيجة تراكمية لنمط حياة متوازن أكثر من كونها نتاج تدخل طبي طارئ. ولذلك فإن رمضان يمكن أن يكون مختبرًا سنويًا لإعادة بناء العادات الصحية، وفرصة لإعادة اكتشاف البساطة الغذائية، وتقليل الاستهلاك غير الضروري، وتخفيف الضغوط النفسية التي تثقل الجسد قبل العقل. ومن زاوية أعمق يحمل الصيام رسالة إنسانية تتجاوز حدود الطب والغذاء؛ فهو يذكّر الإنسان بحدود حاجاته الحقيقية، ويعيد تعريف العلاقة بين الوفرة والاكتفاء، وبين الرغبة والحاجة، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على الصحة النفسية والجسدية معًا. فالإفراط المستمر غذائيًا أو نفسيًا غالبًا ما يقود إلى اختلالات صحية، بينما الاعتدال يمنح الإنسان مساحة للتوازن والاستقرار.

كما أن للصيام بعدًا اجتماعيًا صحيًا لا يقل أهمية إذ يعزز الروابط الأسرية والاجتماعية، ويخلق إيقاعًا جماعيًا مشتركًا يخفف الشعور بالعزلة ويعزز الدعم النفسي، وهما عنصران أساسيان في الحفاظ على الصحة العامة، لأن الإنسان كائن اجتماعي تتأثر صحته بعمق بجودة علاقاته وبيئته النفسية. وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن رمضان ليس شهر تغييرات مؤقتة بقدر ما هو فرصة لتأسيس عادات مستدامة، وأن الفائدة الصحية الحقيقية للصيام لا تتحقق في ثلاثين يومًا فقط، بل فيما يتركه من أثر في بقية العام. فحين يتحول الاعتدال إلى نمط حياة، والهدوء النفسي إلى ممارسة يومية، والنوم المنتظم إلى عادة مستقرة، يصبح الصيام مدرسة مستمرة للعافية وليس مجرد موسم عابر.

لذلك يمكن القول إن فلسفة الصيام الصحية لا تختزل في الامتناع عن الطعام بل تتمثل في إعادة اكتشاف التوازن الإنساني الشامل، ذلك التوازن الذي يجعل الصحة نتاج وعي يومي مستمر، ليس مجرد استجابة مؤقتة لظرف زمني محدد.

رمضان شهر الاعتدال والخير والبركة والرحمة..

زر الذهاب إلى الأعلى