السلام تحت حذاء القوة

بقلم / ناصر سعيد
في اللحظة التي يُدعى فيها رجلٌ تحيط به اتهامات القتل الجماعي، والتدمير واسع النطاق، واستهداف المدنيين، ليجلس في هيئة تحمل اسم «مجلس السلام»، لا يكون العالم بصدد صناعة تسوية، بل يكون بصدد إعادة تعريف الوقاحة السياسية.
أيُّ سلامٍ هذا الذي يبدأ من تجاهل المقابر المفتوحة؟ أيُّ استقرارٍ يُبنى فوق أحياءٍ أُبيدت، وعائلاتٍ مُسحت من السجل، ومدينةٍ تحولت إلى أثرٍ بعد عين؟
غزة لم تعد قضيةً قابلة للتأويل، الصور خرجت من نطاق الدعاية، والأرقام تجاوزت الجدل، والركام بات الشاهد الأكثر صدقًا، ومع ذلك، بدل أن يتحرك الضمير الدولي باتجاه التحقيق والمساءلة، نرى محاولة نقل المسؤول السياسي عن هذه الكارثة من خانة الاتهام إلى مقعد الشراكة.
هنا لا نتحدث عن اختلاف في الرأي، بل عن انقلابٍ في المفاهيم. القانون الدولي الإنساني وُجد تحديدًا للحظات كهذه؛ لحظات يفترض فيها أن تُرفع الحماية عن القوة لا أن تُمنح لها.
اتفاقيات جنيف، ونظام روما، ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، كلها لم تُكتب كديكور لغوي في بيانات الدبلوماسية، بل كعهدٍ مع الإنسانية بأن دم المدني لن يصبح تفصيلًا يمكن تجاوزه عندما تحين ساعة السياسة. لكن ما يحدث اليوم يقول العكس تمامًا: العدالة يمكن تأجيلها، المحاسبة يمكن تمييعها، أما إشراك القويِّ فضرورة.
إن إدراج بنيامين نتنياهو في مجلس يُفترض أنه يرسم ملامح السلام في غزة لا يخلق طمأنينة، بل يخلق صدمة أخلاقية، الرسالة الموجهة إلى الفلسطيني واضحة: دمكم لا يفتح باب المحكمة، بل يفتح باب التفاوض مع من سفكه.
أي نظام دولي يمكن أن يحتفظ باحترامه بعد هذه المعادلة؟ إن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ليس مطلبًا عاطفيًّا، بل قاعدة قانونية مثبتة في ميثاق الأمم المتحدة وعشرات القرارات، وحين يجري بناء ترتيبات سياسية لا تنطلق من هذا الأساس، فإنها تتحول إلى إدارة قسرية لنتائج الحرب، لا إلى حل عادل لها.
الأسوأ من ذلك أن تحويل المتهم إلى شريك يمنح سابقة خطيرة في العلاقات الدولية: افعل ما تشاء، دمِّر ما تشاء، وحين ينتهي الدخان سيكون لك مقعد في هندسة المستقبل.
بهذه الطريقة لا يُصنع السلام، بل تُصنع الحروب القادمة. السلام الحقيقي عملية مؤلمة، نعم، لكنه يبدأ بالاعتراف، يمرُّ بالمحاسبة، ويستقر عند ضمان عدم التكرار، أما حين تُختصر الطريق ويُطلب من الضحية تجاوز الجرح لأن موازين القوى لا تسمح بغير ذلك، فنحن أمام سلامٍ قسريٍّ هشٍّ، يعيش بقدر ما تعيش الظروف التي فرضته.
ثم ماذا عن الغد؟ ماذا يحدث عندما تتغير الإدارات، أو تتبدل التحالفات، أو تنقلب الأولويات الانتخابية؟ هل يبقى هذا «المجلس» قائمًا بقيمة أخلاقية راسخة، أم يسقط لأنه لم يمتلك منذ البداية أساس الشرعية؟
التاريخ لا يرحم مثل هذه الترتيبات، كل سلامٍ لم يُنصف الضحايا عاد يومًا على شكل انفجار أكبر. قد تنجح الدبلوماسية في ترتيب المقاعد، وقد تنجح البيانات في تحسين الصورة، لكن ثمة حقيقة لا يمكن دفنها: الشعوب تتذكر، والذاكرة حين تُهان تصبح قوة سياسية لا يمكن التحكم بها.
إذا كان المطلوب من الفلسطيني أن يرى من دمَّر مدينته شريكًا في خلاصها، فإن المطلوب منه في الحقيقة هو التنازل عن إحساسه بالعدالة، أي عن إنسانيته ذاتها. وهذا ما لم يحدث في أي تجربة تاريخية، ولن يحدث الآن.
السلام الذي يُشرعن الجريمة ليس سلامًا، إنه هدنة فوق فوهة بركان.
