مقالات الرأي

مدخل لإصلاح النظام السياسي وتجديد الشرعية


محمد علوش


تواجه القضية الفلسطينية مرحلة بالغة التعقيد في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي، واستمرار الانقسام الداخلي، ومحاولات تهميش الدور التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية على المستويين العربي والدولي، وفي هذا السياق، يكتسب صدور قانون انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وإصدار المرسوم الرئاسي المحدد لموعد الانتخابات، أهمية وطنية خاصة، بوصفهما خطوة ضرورية نحو استعادة الفاعلية المؤسسية وتجديد الشرعية على أسس ديمقراطية واضحة.
لقد شكَّل المجلس الوطني، منذ تأسيسه عام 1964، الإطار الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والمرجعية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وحاضنة القرار الوطني المستقل، غير أن تعطُّل آليات التجديد الديمقراطي، وتراكم الأزمات السياسية والتنظيمية، أضعفا دوره، ووسَّعا الفجوة بين مؤسسات المنظمة وقواعدها الشعبية، ولا سيما في أوساط الشباب والقوى الاجتماعية الفاعلة، ومن هنا، فإن إجراء انتخابات شاملة ودورية لم يعد خيارًا مؤجلًا أو ترفًا سياسيًّا، بل ضرورة تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبله.
يشكِّل القانون المنظِّم لانتخابات المجلس الوطني إطارًا قانونيًّا يتيح مشاركة الفلسطينيين أينما وجدوا، ويؤسس لتمثيل أوسع للقوى السياسية والاجتماعية والنقابية، بما يعكس التنوع القائم داخل المجتمع الفلسطيني، غير أن قيمة القانون لا تكمن في نصوصه فحسب، بل في توافر الإرادة السياسية لتطبيقه بروح الشراكة الوطنية، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو الاحتكار، كما أن المرسوم الرئاسي، رغم دلالته الإيجابية في الانتقال من حالة الجمود إلى الفعل السياسي، يظل مرهونًا بتهيئة المناخ السياسي والقانوني الملائم، وضمان النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، حتى لا تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي يكرِّس الواقع بدلًا من تغييره.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الخطوة إلى مسار إصلاحي شامل يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية صلبة، فإعادة بناء منظمة التحرير تقتضي اعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل، وضمان حضور فعلي للشباب والمرأة وتجمعات الشتات، وإعادة تفعيل الاتحادات الشعبية بوصفها أطر تمثيل حقيقية، كما تتطلب إعادة تنظيم العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، بما يرسِّخ مرجعية المنظمة السياسية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ويحدُّ من تداخل الصلاحيات أو ازدواجية القرار.
ولا يقل أهمية عن ذلك إصلاح آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات المنظمة، من خلال تفعيل المجلسين الوطني والمركزي بصورة دورية ومنتظمة، وتعزيز المساءلة والشفافية في عمل اللجنة التنفيذية، وإشراك الكفاءات والخبرات الوطنية في صياغة السياسات العامة، فالتجديد المنشود لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يشمل مراجعة الرؤية والبرنامج السياسي، وتحديث أدوات العمل الوطني بما ينسجم مع التحولات الإقليمية والدولية.
ويرتبط تجديد الشرعية المؤسسية بالحاجة إلى بلورة إطار دستوري واضح ينظم الحياة السياسية في المرحلة الانتقالية، وإن إعلان مسودة دستور فلسطيني مؤقت، تعدُّه لجنة وطنية تضم فقهاء قانون وممثلين عن القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ويطرح للنقاش العام، يمكن أن يشكل خطوة نوعية لترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات العامة، وتحديد شكل النظام السياسي وصلاحيات مؤسساته، كما أن إقرار هذه المسودة عبر المجلس الوطني المنتخب، أو من خلال آلية توافق وطني واسعة، من شأنه أن يعزز الاستقرار المؤسسي، ويحصِّن النظام السياسي من التفرد، ويؤكد جاهزية الفلسطينيين لبناء دولة ديمقراطية حديثة تستند إلى سيادة القانون.
إن انتخابات المجلس الوطني، مقرونة بإصلاح مؤسسي ودستوري حقيقي، يمكن أن تتحول إلى محطة مفصلية تعيد الثقة بين الشعب ومؤسساته الوطنية، وتضع منظمة التحرير الفلسطينية مجددًا في موقعها الطبيعي كممثل شرعي جامع للشعب الفلسطيني وقائدة لنضاله الوطني، أما الاكتفاء بإجراءات شكلية من دون إحداث تغيير جوهري في بنية النظام وآليات عمله، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة.
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات مصيرية، تفرض الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة تأسيس المشروع الوطني على قاعدة الديمقراطية والشراكة والوحدة، بوصفها المدخل الحقيقي لصون الحقوق الوطنية وتعزيز القدرة على الصمود والمواجهة.

زر الذهاب إلى الأعلى