مقالات الرأي

تأخر صرف الراتب وأثره على المعاش التقاعدي


غادة الصيد


يعد الراتب في نطاق الوظيفة العامة حقًّا ماليًّا مقررًا للموظف مقابل أدائه لواجباته الوظيفية، والتزامًا قانونيًّا يقع على عاتق الجهة الإدارية وفقًا لقانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010.
ولا يقتصر الراتب على كونه مقابلًا ماليًّا، بل يمثل عنصرًا أساسيًّا في بناء المركز القانوني للموظف، لما يرتبط به من آثار تتصل بالترقيات والعلاوات والحقوق التقاعدية، غير أن الواقع العملي قد يشهد تأخرًا في صرف المرتبات لأسباب إدارية أو مالية، وهو ما يثير تساؤلًا جوهريًّا حول مدى انعكاس هذا التأخر على استحقاق المعاش التقاعدي. فالمعاش في النظام القانوني لا يعد منحة أو تفضلًا من الإدارة، بل هو حق ينشأ متى استوفيت شروطه القانونية، ويقوم على مدة الخدمة والشراكات المستحقة وفق أحكام تشريعات الضمان الاجتماعي. ومن ثم يثور التساؤل القانوني: هل يجوز أن يمتد أثر تأخر صرف الراتب – وهو إخلال إداري لا يد للموظف فيه – إلى المساس بحقه في المعاش التقاعدي أو التأثير في احتسابه، أم أن الحق التقاعدي يظل مستقلًّا عن مساءلة انتظام الصرف، ما دام المركز الوظيفي قائمًا ولم ينقطع؟
إن الإجابة عن هذه الإشكالية تقتضي قراءة تحليلية لنصوص بالضمان الاجتماعي، قانون علاقات العمل السابق الإشارة إليه في ضوء مبادئ المشروعية وحماية الحقوق المكتسبة. فقد نصت المادة (136) من قانون علاقات العمل على استحقاق المرتب من تاريخ المباشرة، هذا النص يقرر قاعدة آمرة مفادها أن حق الموظف في المرتب ينشأ بمجرد مباشرته للعمل دون توقف على أي إجراء لاحق من الإدارة كإصدار إذن صرف أو توفير مخصصات مالية، وبالتالي فإن الحق في المرتب حق مكتمل بمجرد تحقق سببه (المباشرة)، كما أكدت المحكمة العليا في المبدأ (57/202) ق بقولها: إن امتناع الإدارة عن صرف المرتب رغم صدور قرار التعيين ومباشرة الموظف للعمل، يعد امتناعًا غير مشروع، ولا يقبل من الإدارة التذرع بعدم رصد اعتمادات مالية. وهذا يكرس مبدأً أساسيًّا: المرتب ليس منحة إدارية، بل هو مقابل عمل فعلي، يترتب بمجرد تنفيذه وتلتزم الإدارة بدفعة.
إن المعاش التقاعدي يقوم على الاشتراكات الضمانية التي تحتسب على أساس المرتبات وفقًا لما نظمته لائحة التسجيل والاشتراكات بموجب القرار رقم 1079 لسنة (91م) في ماديتها (10) (64)، حيث وضحت أن التسجيل الضماني إلزامي، ويقع على عاتق جهة الإدارة، وفي حالة تقصير جهة الإدارة في التسجيل أو في دفع الاشتراكات لا يرتب ضياع حق الموظف، حتى في حالة التأخير في أداء الاشتراكات، يبقى الموظف والمستحقون عنه متمتعين بكامل الحقوق الضمانية، وبذلك فإن أي تأخير في صرف المرتبات لا ينتج أثرًا على استحقاق المعاش التقاعدي، طالما ثبتت مباشرة الموظف للعمل وثبوت حقه في المرتب قانونًا.

زر الذهاب إلى الأعلى