ملفات وتقارير

رمضان في ليبيا هذا العام بين الغلاء المستمر وتآكل الدخل وفوضى الأسواق وانعدام الرقابة




مع اقتراب شهر رمضان، لا تدخل الأسر الليبية موسمًا روحانيًّا فحسب، بل تعبر بوابة اختبار اقتصادي واجتماعي معقَّد، تتداخل فيه معاناة الأسعار مع أزمات السيولة والخدمات، في مشهد يكشف هشاشة البنية الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية منذ 2011، عامًا بعد عام. الشهر الذي كان عنوانه الطمأنينة واللمة، صار في وجدان كثيرين موسم حسابات دقيقة، تُقاس فيه الوجبات بالكلفة، وتُوزن فيه القرارات بميزان الضرورة لا الرغبة. من غرب البلاد إلى شرقها وإلى جنوبها، يتشابه السؤال وإن اختلفت التفاصيل: كيف يمكن تأمين الحد الأدنى من احتياجات رمضان دون الوقوع في عجزٍ مبكر أو استدانةٍ مرهقة؟
الأسواق قبل رمضان.. سباق محموم بين الطلب والقدرة
مع اقتراب الشهر الكريم، تبدأ الأسواق في تسجيل حركة متصاعدة، لكن هذه الحركة لا تعكس انتعاشًا بقدر ما تعبِّر عن قلقٍ استباقي. الأسر تسابق الزمن لشراء ما تستطيع قبل أن تقفز الأسعار أكثر، والتجار يراقبون مؤشرات العرض والطلب في ظل غياب سقف واضح للأسعار. في طرابلس، تجاوز سعر كيلو لحم الضأن 90 دينارًا في بعض الأحياء، فيما تشهد أسعار الدواجن تقلبات يومية تُربك التخطيط المنزلي. وفي بنغازي، يتحدث مواطنون عن فروق لافتة بين حي وآخر، وكأن المدينة الواحدة تحوي أكثر من سوق بقواعد مختلفة.
هذا التباين لا يقتصر على اللحوم، بل يمتد إلى الزيوت والسكر والدقيق والخضراوات. فكيلو الطماطم والخيار بات يخضع لتسعيرة متغيرة وفقًا لتكلفة النقل والتخزين وانقطاعات الكهرباء. ومع كل ارتفاع جديد، تتسع الفجوة بين دخلٍ ثابت أو متآكل وأسعارٍ تتحرك بلا كوابح كافية. وهكذا تتحول قائمة المشتريات إلى لائحة أولويات تُحذف منها بنود كانت يومًا بديهية على موائد رمضان.
الجنوب.. حين تضاعف المسافة كلفة الإفطار
في مدن الجنوب، تتضاعف المعاناة بفعل الجغرافيا والبنية التحتية المحدودة. المسافات الطويلة وعدم توفر البنزين والغاز وارتفاع تكلفة النقل تجعل السلع الأساسية أعلى بكثير من المتوسط الوطني. في سبها ومرزق، يروي مواطنون أنهم يقطعون عشرات الكيلومترات للحصول على عبوة زيت أو كيس دقيق بسعر معقول، وغالبًا ما تنتهي الرحلة بدفع مبالغ مضاعفة في السوق الموازي.
البعد الجغرافي لا يعني فقط زيادة في السعر، بل يزيد هشاشة الإمدادات. أي تأخير في الشحن أو اضطراب في الوقود ينعكس فورًا على الرفوف، فتظهر فجوات في العرض تفتح الباب للمضاربة. ومع اقتراب رمضان، يرتفع الطلب بشكل طبيعي، لكن ضعف سلاسل التوزيع يجعل الاستجابة أقل مرونة، فيدفع المستهلك الثمن مرتين: مرة في السعر، ومرة في الجهد والوقت.
الزيت والدقيق.. اختفاء متكرر يختبر الثقة
أزمة الزيت تكاد تكون موسمية، لكنها هذا العام بدت أكثر حدَّة. في طرابلس وبنغازي، تحدث متسوقون عن اختفاء كميات من الرفوف الرسمية قبل أن تظهر بأسعار أعلى في السوق الموازي. هذا النمط يثير تساؤلات حول فاعلية الرقابة وآليات التوزيع، خاصة أن الشحنات تُعلن رسميًّا، لكن أثرها لا ينعكس دائمًا على السعر النهائي.
أما الدقيق والخبز، فيمثِّلان اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على حماية القوت اليومي. في مصراتة وأحياء من طرابلس، اشتكى مواطنون من نقص الدقيق المدعوم وارتفاع سعر الرغيف. الخبز ليس سلعة تكميلية، بل ركيزة يومية، وأي اضطراب في توريده ينعكس فورًا في طوابير وانتظار وقلق. ومع ازدياد الطلب في رمضان، تتضاعف حساسية السوق تجاه أي خلل، فتتحول الإشاعة إلى موجة شراء اندفاعية تزيد الضغط على العرض.
الوقود والغاز.. حلقة تضغط على كل السلع
الوقود عنصر استقرار في أي اقتصاد، لكنه حين يتعثر يتحول إلى مصدر ضغط شامل. طوابير أمام محطات البنزين في معظم المناطق، وأسعار في السوق الموازي تفوق الرسمية بأضعاف. هذه الزيادة لا تتوقف عند حدود التنقل، بل تتسرب إلى كلفة نقل الخضراوات والفواكه واللحوم، فتتراكم الزيادات عبر السلسلة بأكملها.
الغاز بدوره يمثل تحديًا مباشرًا مع اقتراب الشهر، إذ يرتبط بإعداد الوجبات اليومية. نقصه أو ارتفاع سعره يضاعف القلق، ويجبر الأسر على البحث عن بدائل أقل كفاءة وأكثر كلفة. وفي مدن الشرق وبعض مناطق الجبل الغربي، تضيف انقطاعات الكهرباء أعباء جديدة، إذ يضطر المواطنون إلى شراء مولدات أو مياه معبأة، ما يضغط أكثر على ميزانيات محدودة أصلًا.
السيولة النقدية.. معركة قبل الدخول إلى السوق
تتجدد أزمة السيولة مع كل موسم استهلاكي، فتقفز إلى الواجهة طوابير المصارف وأجهزة الصراف التي تعلن خلوها من النقد. هذا الواقع يدفع بعض المواطنين إلى شراء السيولة بخصم غير رسمي، ما يعني اقتطاع جزء من الراتب قبل إنفاقه. ومع اقتراب رمضان، تتضاعف الحاجة إلى النقد لتأمين احتياجات أسبوعية أو شهرية، لكن الوصول إليه يبقى عقبة أولى في سلسلة طويلة من التحديات.
المنح الحكومية لبعض الفئات، كالمنح المخصصة للأبناء وربات البيوت، قد تخفف الضغط النفسي مؤقتًا، لكنها لا تعالج الخلل البنيوي المتمثل في فجوة تتسع بين الدخل وكلفة الحياة. فالمشكلة ليست في شهر واحد، بل في تراكم شهور من تآكل القدرة الشرائية، يأتي رمضان ليكشفها بوضوح تحت ضغط الطلب المرتفع.
النساء.. إعادة هندسة المائدة والميزانية
في الداخل المنزلي، تتحول النساء إلى خط الدفاع الأول. تُعاد صياغة الميزانية وفق منطق الضرورة، وتُجزَّأ المشتريات لتفادي صدمة سعرية مفاجئة، وتُستبدل بعض الأصناف بأخرى أقل كلفة. هذا الجهد غير المرئي يتطلب وقتًا ومهارة وصبرًا، ويعكس عبئًا اجتماعيًّا مضاعفًا.
كثير من الأمهات يتحدثن عن محاولات الحفاظ على الحد الأدنى من الطقوس الرمضانية، ولو بكميات أقل. الحلويات تُعدُّ منزليًّا بدل شرائها، واللحوم تُخصص لأيام محددة، والخضراوات تُشترى بكميات صغيرة لتفادي الهدر. بين الرغبة في إدخال البهجة على الأطفال والالتزام بميزانية محدودة، تتشكل معادلة يومية عنوانها التوازن الصعب.
القطاع الخاص.. بين كلفة التشغيل وخشية الركود
أصحاب المحال الصغيرة والمقاهي يواجهون بدورهم معادلة معقدة. رفع الأسعار لمجاراة التضخم قد يؤدي إلى خسارة الزبائن، وتثبيتها قد يعني تآكل هامش الربح أو خسارة رأس المال. الإيجارات والضرائب وفواتير الخدمات ارتفعت، فيما الإقبال الاستهلاكي أصبح أكثر حذرًا. رمضان الذي كان موسم ذروة لبعض الأنشطة، صار موسمًا محفوفًا بالمخاطر.
هذا الركود النسبي في بعض القطاعات يعكس أثرًا مضاعفًا للأزمة: المستهلك يقلص إنفاقه، والتاجر يتردد في توسيع نشاطه أو زيادة مخزونه، فتتباطأ الحركة الاقتصادية في وقت كان يُفترض أن يشهد انتعاشًا موسميًّا.
قراءة في الأسباب الجذرية.. اقتصاد يعتمد على الخارج
يرى مختصون أن أحد جذور الأزمة يتمثل في الاعتماد الكبير على الاستيراد، سواء في الزيوت أو الأعلاف أو جزء من الحبوب. هذا الاعتماد يجعل السوق الليبية رهينة لتقلبات سعر الصرف وتكاليف الشحن العالمية. أي تذبذب في العملة ينعكس مباشرة على الرفوف، وأي زيادة في تكاليف النقل الدولي تُترجم إلى ارتفاع محلي.
إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع مدخلات الإنتاج المحلي من كهرباء ووقود وأعلاف يرفع كلفة اللحوم والدواجن. ومع ضعف تطبيق التسعيرة الجبرية وغياب عقوبات رادعة، تفتح المناسبات الدينية بابًا للمضاربة والتخزين. وهكذا تتلاقى عوامل داخلية وخارجية لتنتج موجة غلاء يصعب احتواؤها بإجراءات مؤقتة.
التداعيات الاجتماعية.. حين تتغير عادات المائدة
الأزمة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بتغيُّر أنماط الحياة. بعض الأسر تقلص عدد الأطباق على المائدة، وأخرى تؤجل شراء الملابس الجديدة للأطفال. المبادرات الخيرية تتكاثر لسد فجوات، لكن الاتكاء المتزايد عليها يعكس هشاشة اجتماعية تتعمق.
الشباب، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف الزواج والاستقلال، يشعرون بإحباط متزايد. المتقاعدون يعتمدون على منح لا تغطي شهرًا كاملًا. الأطفال يلاحظون التغيُّر في تفاصيل بسيطة: حلوى أقل، نزهات أقل، وربما حديث أكثر توترًا حول المصروف.
ما الذي يمكن فعله.. بين المعالجة السريعة والإصلاح الطويل
الحلول قصيرة الأجل قد تشمل تكثيف الرقابة المعلنة على الأسواق، ونشر نتائج الحملات لردع المخالفين، وتوسيع منافذ البيع المدعومة عبر جمعيات تعاونية فعَّالة تغطي الأحياء. كما أن دعم مدخلات الإنتاج المحلي، خصوصًا الأعلاف والكهرباء، يمكن أنيخفف كلفة اللحوم والدواجن.
على المدى الأبعد، يتطلب الأمر سياسات أكثر شمولًا: استقرار سعر الصرف، تنويع القاعدة الإنتاجية، تحسين سلاسل التوزيع، ومعالجة أزمة السيولة عبر أدوات مصرفية تضمن سحبًا منتظمًا دون خصومات غير رسمية. فالمشكلة بنيوية، ولا يمكن حلها بمنح موسمية أو قرارات مؤقتة.
بين الروحانيات وضغط الواقع.. أي رمضان ينتظر الليبيين؟
يبقى رمضان في ليبيا شهرًا للقيم والتكافل، لكن هذه القيم تحتاج إلى أرضية معيشية مستقرة كي تزدهر. حين تتحول موائد الإفطار إلى معادلات حسابية، يفقد الشهر بعضًا من صفائه. المواطن لا يطلب ترفًا، بل حدًّا أدنى من الاستقرار يتيح له التخطيط دون قلق يومي من قفزة سعرية جديدة أو نقص مفاجئ في سلعة أساسية.
الرسالة التي تتردد في الأسواق والمصارف وأمام محطات الوقود واحدة: الحاجة إلى أفعال واضحة لا وعود موسمية. فإن نجحت الجهات المعنية في كبح جماح الأسعار وضبط الأسواق وتوفير السيولة، استعاد رمضان شيئًا من طمأنينته. وإن بقيت المعالجات مؤقتة، فسيظل الشهر مرآة لاختلالات أعمق، يدفع ثمنها المواطن البسيط يومًا بعد يوم، وهو يقف على حافة قدرة شرائية تتآكل بصمت، لكنه لا يزال يتمسك بالأمل في أن يكون هذا الشهر بداية انفراج لا محطة جديدة في مسار المعاناة.

زر الذهاب إلى الأعلى