إيران والولايات المتحدة: مفاوضات بلا ضمانات وحشد عسكري متبادل

تقرير – سيد العبيدي
تتصدر المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران واجهة المشهد الدولي؛ باعتبارها أحد أخطر الملفات السياسية والأمنية في العالم، ليس فقط بسبب البرنامج النووي الإيراني، بل لأن هذه المفاوضات أصبحت مرآة لصراع أوسع حول النفوذ الإقليمي، والتوازن الدولي، ومستقبل الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وما بين التصعيد العسكري والرسائل الدبلوماسية، تتحرك العواصم الكبرى في سباق بين التسوية والانفجار، حيث تُصر الولايات المتحدة الأمريكية على إدارة المفاوضات تحت التهديد العسكري والعقوبات الاقتصادية، وإن كانت تدار على طاولة السياسة، ما يجعلها واحدة من أخطر الاختبارات للنظام الدولي في مرحلة تتراجع فيها الثقة أمام لغة القوة.
جولة مفاوضات جديدة
من جهتها أفادت وكالة رويترز الجمعة بأن جولة جديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ستعقد في 17 من الشهر الجاري في جنيف بسويسرا. ونقلت الوكالة عن مصادر مطلعة قولها إن الوفد الأمريكي، الذي يضم المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستيفن ويتكوف، وكبير مستشاري البيت الأبيض السابق وصهر ترامب، جاريد كوشنر، سيجري محادثات مع الجانب الإيراني صباح غد الثلاثاء، وسيتولى ممثلو سلطنة عمان تنسيق الاتصالات بين الجانبين.
يأتي ذلك في الوقت الذي أفادت فيه صحيفة “نيويورك تايمز” نقلًا عن مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية، بأن الرئيس دونالد ترامب لم يحسم أمره بعد بشأن توجيه ضربة عسكرية لإيران. وقالت نيويورك تايمز، إن الخيارات العسكرية التي يدرسها ترامب تشمل اتخاذ إجراء عسكري ضد البرنامج النووي الإيراني وقدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن الولايات المتحدة أرسلت أكثر من 12 طائرة هجومية إضافية من طراز “إف-15إي” إلى المنطقة، مضيفة أن البنتاجون يستغل الوقت لاستكمال بناء الأسطول الذي أعلن ترامب اتجاهه نحو إيران.
المطالب الأمريكية للتسوية
وفي السادس من الشهر الجاري، عقدت إيران والولايات المتحدة محادثات غير مباشرة في العاصمة العُمانية مسقط. واتفق الجانبان على مواصلة التفاوض، إلا أن الخلافات لا تزال عميقة بشأن القضايا الأساسية.
وتشمل المطالب الرئيسية الأمريكية، عدم تصنيع أسلحة نووية، وعدم تخصيب اليورانيوم، وعدم امتلاك اليورانيوم المخصب، وتقييد مدى الصواريخ الباليستية، ووقف دعم ما يسمى “وكلاء إقليميين”.
فيما أكدت إيران أنها لا تسعى لتصنيع أسلحة نووية، لكنها تعتبر أن حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية غير قابل للمساس. وبشأن المفاوضات، أصرت إيران دائما على مناقشة الملف النووي ورفع العقوبات المفروضة عليها فقط، وترفض إدراج قدراتها الصاروخية والقضايا الإقليمية ضمن جدول الأعمال.
ترامب يحذر وإيران تتوعد
وفي وقت سابق، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أن إيران ستواجه عواقب وخيمة إذا لم تنجح المفاوضات بشأن برنامجها النووي. وقال ترامب: “أعتقد أنهم سينجحون. وإذا لم ينجحوا، فسيكون يومًا عصيبًا لإيران”.
في المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، الخميس، إن بلاده لن تتردد في الدفاع عن سيادتها مهما كانت التكلفة. وأضاف عراقجي: “التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجنا النووي أمر ممكن شرط أن يكون عادلًا ومتوازنًا”.
يأتي هذا في الوقت الذي يجري فيه نشر حاملة طائرات ثانية في الشرق الأوسط وسط التوترات المستمرة مع إيران. وأُبلغت مجموعة حاملة الطائرات “يو إس إس فورد” بمغادرتها منطقة الكاريبي وتوجهها إلى الشرق الأوسط.
بينما توعدت إيران بإغراق حاملة الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد” بمجرد دخولها منطقة العمليات، معتبرة إياها هدفًا ثا، نيًا بعد الحاملة الأولى، وذلك في رد فعل سريع ومباشر على قرار واشنطن تعزيز حشودها البحرية في الشرق الأوسط.
وساطات متعددة ومسار متعثر
شهدت الأشهر الأخيرة، تكثيفًا للاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران عبر وسطاء إقليميين ودوليين، أبرزهم سلطنة عمان التي عادت للعب دورها التقليدي كقناة خلفية للحوار، إلى جانب مساعٍ أوروبية لاستضافة جولات تفاوبلضية في القارة، حيث طرحت العاصمة السويسرية جنيف كموقع لجولة جديدة من المحادثات الفنية والسياسية.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إحياء صيغة اتفاق نووي أشد صرامة من اتفاق 2015، تركز إيران على رفع العقوبات الاقتصادية كشرط أساسي لأي تفاهم. ورغم إعلان الطرفين تحقيق “تقدم محدود”، فإن واقع المفاوضات يعكس فجوة سياسية عميقة، إذ لم يتم الاتفاق حتى الآن على جدول أعمال شامل، ما يجعل كل جولة تفاوضية أقرب إلى اختبار نوايا منها إلى مسار تفاوض حقيقي.
مفاوضات تحت التهديد
إلى ذلك، يكشف الخطاب الرسمي من الجانبين أن المفاوضات تسير تحت ضغط التصعيد. فالإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تؤكد أن أي اتفاق يجب أن يمنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، بل ويشمل قيودًا على برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي. وتُطرح في الخطاب الأمريكي عبارات واضحة بأن “جميع الخيارات مطروحة”، في إشارة إلى احتمال استخدام القوة العسكرية مجددًا ضد طهران.
في المقابل، تؤكد إيران أن حقها في تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض، وأن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعًا كاملًا للعقوبات وضمانات بعدم انسحاب واشنطن مجددًا. وتتهم طهران الولايات المتحدة بمحاولة فرض شروط سياسية تتجاوز الملف النووي، معتبرة أن واشنطن تسعى عمليًا إلى تحجيم إيران إقليميًّا لا منعها نوويًّا فقط.
حشد عسكري متبادل
يأتي ذلك في ظل تصعيد عسكري متبادل وواضح في المنطقة بين الجانبين. فقد عززت الولايات المتحدة وجودها البحري والجوي في الخليج والبحر الأحمر، ونشرت حاملات طائرات ومنظومات دفاع صاروخي وقوات إضافية في قواعدها الإقليمية، في خطوة تفسر باعتبارها رسالة ضغط ميداني لدفع إيران إلى تقديم تنازلات.
في المقابل، كثفت إيران مناوراتها العسكرية واختبارات الصواريخ، وأعلنت جاهزية قواتها للرد على أي هجوم يستهدف منشآتها النووية أو أراضيها. كما عززت حضورها غير المباشر عبر حلفائها في المنطقة، في رسالة مفادها أن أي مواجهة لن تكون محدودة جغرافيًّا. هذا التوازن الهش بين الدبلوماسية والقوة يعكس نمطًا متكررًا في العلاقة بين الطرفين “مفاوضات تدار على الطاولة، ورسائل تُرسل عبر حاملات الطائرات والصواريخ”.
الكيان الصهيوني في قلب المشهد
تشير التقارير الدولية إلى عدم إمكانية فهم الموقف الأمريكي من دون قراءة الدور الصهيوني في هذا الملف. فالكيان الصهيوني يرى أن أي اتفاق لا يحد من البرنامج الصاروخي الإيراني ولا يقلص نفوذ طهران في المنطقة سيكون تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. لذلك يمارس الاحتلال ضغوطًا سياسية وأمنية مكثفة على واشنطن لاعتماد شروط أكثر تشددًا.
وتشير تقارير عديدة إلى تنسيق عسكري واستخباراتي متزايد بين الجانبين، إضافة إلى ضربات سابقة استهدفت مواقع إيرانية في المنطقة. ويعزز هذا الدور القناعة الإيرانية بأن المفاوضات لا تُدار فقط بين طهران وواشنطن، بل في إطار تحالف “غربي – صهيوني” يسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
معوقات الحل: أزمة ثقة وأهداف متناقضة
تواجه المفاوضات كذلك جملة من العقبات البنيوية التي تجعل التوصل إلى اتفاق شامل مهمة شديدة التعقيد، وذلك نتيجة انعدام الثقة المتبادل، إذ ترى إيران أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي السابق أثبت أن أي تفاهم مع واشنطن قد يكون مؤقتًا. في المقابل، تشكك واشنطن في نوايا إيران، وتعتقد أن طهران تسعى إلى كسب الوقت لتعزيز قدراتها النووية.
كما تتمثل التعقيدات كذلك في تضارب الأهداف. فواشنطن تريد اتفاقًا واسعًا يشمل النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، بينما ترفض طهران إدراج هذه الملفات، وتصر على حصر التفاوض في رفع العقوبات مقابل قيود نووية محدودة. هذا إلى جانب الضغوط الداخلية في كلا البلدين، حيث يواجه صناع القرار معارضة سياسية قوية لأي تنازلات كبرى. كما تلعب البيئة الدولية دورًا معقدًا، إذ توفر علاقات إيران مع روسيا والصين متنفسًا اقتصاديًّا وسياسيًّا يخفف من تأثير العقوبات الغربية، ما يقلل من فاعلية أدوات الضغط الأمريكية.
الخيارات البديلة: من الاحتواء إلى المواجهة
في حال فشلت المفاوضات، فإن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين استمرار الوضع الراهن والتصعيد العسكري. السيناريو الأول هو الاحتواء طويل الأمد، حيث تستمر العقوبات والتوترات دون حرب شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، لكنه يعني بقاء المنطقة في حالة عدم استقرار دائم.
أما السيناريو الثاني فهو الضربات العسكرية المحدودة التي قد تستهدف منشآت نووية أو قواعد عسكرية، وهو خيار يحمل مخاطر ردود فعل واسعة قد تشمل استهداف القواعد الأمريكية وإغلاق الممرات البحرية الحيوية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًّا.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية بهدف إضعاف النظام الإيراني داخليًّا، وهو ما يندرج ضمن خطاب “أمريكي – صهيوني” يتحدث أحيانًا عن ضرورة تغيير سلوك النظام، بل وإسقاطه، عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية.
بين الدبلوماسية والصراع الدولي
وبحسب مراقبين، فإن المفاوضات “الإيرانية – الأمريكية” الحالية لا تمثل مجرد نقاش حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، بل هي صراع استراتيجي حول شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، ودور القوى الكبرى في رسم ملامح النظام الدولي الجديد. فنجاح هذه المفاوضات قد يفتح الباب أمام مرحلة من التهدئة وإعادة ترتيب العلاقات، بينما فشلها قد يدفع المنطقة إلى موجة جديدة من الصراعات الممتدة.
ويشير المراقبون إلى أن هذين الاحتمالين، يبقيان المشهد محكومًا بمعادلة دقيقة: دبلوماسية تتحرك ببطء، وضغوط عسكرية تتصاعد بسرعة، ومصالح دولية متشابكة تجعل كل خطوة نحو السلام محفوفة بحسابات القوة.
