مقالات الرأي

أهمية الرمز في حالات الفراغ السياسي.. ليبيا نموذجًا


علي عمر الحسناوي


في لحظات التحولات الجذرية، وحين تسقط الأنظمة أو تُفكَّك مؤسسات الدولة عمدًا أو فوضويًّا، تدخل الشعوب مرحلة خطرة تُعرف بالفراغ السياسي. هذا الفراغ لا يعني فقط غياب السلطة، بل غياب المشروع، وافتقاد البوصلة، وتنازع الشرعيات. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الحاجة إلى قائد أو رمز وطني جامع ضرورة تاريخية لا خيارًا سياسيًّا، لأن غياب القيادة يفتح المجال أمام الفوضى، ويمنح القوى المتصارعة والجهات الخارجية فرصة التحكم في مصير الشعوب.
القائد هو من يمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتنظيم الفعل السياسي، وصياغة رؤية واضحة تُحوِّل المطالب الشعبية إلى برنامج عمل. أما الرمز، فهو الشخصية التي تتجسد فيها الذاكرة الوطنية والهوية السياسية، وتستمد مشروعيتها من الالتفاف الشعبي حولها، لا من اعتراف الخصوم أو رضا الخارج. وفي مراحل الفراغ، كثيرًا ما يتحول الرمز إلى قائد فعلي، لأن الجماهير تبحث عمَّن يُعبِّر عنها حين تُصادَر إرادتها.
التاريخ السياسي الحديث يؤكد أن الثورات لا تنجح تلقائيًّا بسقوط الأنظمة، بل بقدرتها على إنتاج قيادة. ففي الثورة الأمريكية، شكَّل جورج واشنطن حجر الزاوية في تحويل التمرد إلى دولة. وفي فرنسا، لم تنقذ الجمهورية من الانهيار إلا عودة شارل ديغول رمزًا وقائدًا في لحظة أزمة وجودية. وفي جنوب أفريقيا، كان نيلسون مانديلا أكثر من رئيس؛ كان رمزًا وطنيًّا أعاد تعريف الدولة والمجتمع. وفي مصر، قاد جمال عبد الناصر لحظة الفراغ بعد سقوط الملكية، وأعاد بناء الدولة على أساس مشروع سياسي واضح.
هذه النماذج تُبرز حقيقة واحدة: الفراغ السياسي لا يُحتمل طويلًا، وإن لم تملأه قيادة وطنية، فستملأه قوى الفوضى أو الوصاية الخارجية.
وعند إسقاط هذا الإطار على الحالة الليبية، تتكشف أبعاد الأزمة بوضوح أكبر. فمنذ إسقاط نظام سبتمبر عام 2011 واستشهاد معمر القذافي، دخلت ليبيا في حالة فراغ سياسي ومؤسسي غير مسبوقة. لم تُبنَ دولة بديلة، ولم تُصغ رؤية وطنية جامعة، بل جرى تفكيك الدولة واستبدالها بتعدد أجسام متنازعة، وتغذية الانقسام الجهوي والقبلي، وتعطيل ممنهج لأي مسار سياسي حقيقي.
وفي عام 2021، حين اقترب الليبيون من محطة الانتخابات الرئاسية، بدا أن البلاد على أعتاب لحظة فاصلة. غير أن هذه اللحظة أُجهضت، لا لعجز تقني، بل لاعتبارات سياسية واضحة، كان في مقدمتها دخول سيف الإسلام القذافي سباق الرئاسة وملامح التفاف شعبي حوله. فبدل الاحتكام لصناديق الاقتراع، جرى تعطيل المسار بذريعة “القوة القاهرة”، لتستمر سياسة الإقصاء ومنع الشعب من التعبير الحر عن إرادته.
منذ ذلك الحين، تحولت محاولات إقصاء سيف الإسلام إلى نهج ثابت، لأنه لم يكن مجرد مرشح، بل رمزًا لمشروع وطني يستند إلى استقلال القرار الليبي، واستعادة الدولة، والتمسك بمبادئ ثورة الفاتح التي ما زال قطاع واسع من الليبيين يعتبرها الإطار السيادي الذي حفظ وحدة البلاد.
وجاء اغتيال سيف الإسلام القذافي ليكشف جوهر الصراع في ليبيا: صراع على القيادة والشرعية. فالحدث لم يكن واقعة أمنية معزولة، بل فعلًا سياسيًا يهدف إلى إزاحة رمز يُخشى التفاف الجماهير حوله. غير أن المفارقة الكبرى تمثلت في مشهد تشييعه، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية والحضور الميداني مشاركة بشرية كثيفة من مختلف مناطق ليبيا، رغم المخاطر والظروف الأمنية والمعيشية القاسية.
هذا الحضور لم يكن فعل تعاطف عابر، بل تزكية شعبية صريحة للرمز وللمشروع الوطني الذي كان يمثله. لقد وجَّه الليبيون، بوعي أو بحدس تاريخي، رسالة واضحة مفادها أن الرمز لم يُغتَل في الوجدان الشعبي، وأن المشروع الوطني الذي حاول البعض طمسه لا يزال حيًا ومتجذرًا.
خاتمة سياسية
إن ما شهدته ليبيا عقب اغتيال سيف الإسلام القذافي يضع الجميع أمام حقيقة لا تقبل الإنكار: أن الفراغ السياسي لا يُملأ بالإقصاء ولا بالاغتيال، وأن الشرعية لا تُصادَر بالقوة ولا تُلغى بقرارات الأمر الواقع. لقد جاء الحضور الشعبي الواسع في وداعه بمثابة تزكية شعبية صريحة للرمز وللمشروع الوطني الذي كان يمثله، ورسالة سياسية مباشرة بأن الإرادة الشعبية ما زالت حية، وأن محاولات طمسها لن تنجح مهما طال الزمن.
إن تجاهل هذه الرسالة، أو الاستمرار في تعطيل الاستحقاقات السياسية ومنع الليبيين من اختيار من يمثلهم، لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد الفوضى. فالتاريخ علّمنا أن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، وأن الرموز التي تُغتال جسديًّا كثيرًا ما تتحول إلى أفكار ومشاريع عصيَّة على الإقصاء. ومن هنا، فإن الطريق الوحيد نحو استقرار ليبيا لا يمرُّ عبر الاغتيال السياسي ولا عبر فرض الوصاية، بل عبر الاعتراف الصريح بإرادة الجماهير، واحترام حقها في القيادة والاختيار، وبناء مشروع وطني جامع يضع حدًّا لسنوات الفراغ والضياع.

زر الذهاب إلى الأعلى