السقوط الأخلاقي: من الخطاب الفكري إلى فضائح السلطة

فراس الحجازي
أرسل صديق لي مقالا على صفحة France Culture التابعة لراديو فرنسا أعتبره صادمًا بالنسبة إليَّ، فهو يتحدث عن قيام مجموعة من الفلاسفة والمثقفين الفرنسيين المعروفين بالتوقيع على عريضة تطالب بتخفيف أو إلغاء تجريم العلاقات الجنسية بين البالغين والقصر، مستندين إلى مفهوم “التحرر” و”الحرية الفردية”، وذلك خلال سبعينيات القرن الماضي. من بين الأسماء المذكورة: جان بول سارتر، سيمون دو بوفوار، ميشال فوكو، إلى جانب كتاب ومثقفين آخرين كان يُقدَّر لهم أن يكونوا رموزًا للعقل النقدي والتنوير.
المقال لا يبرر هذه المواقف، لكنه يكشف تحول الخطاب الفكري إلى أداة قد تفرغ الحماية القانونية والأخلاقية عن الأطفال تحت غطاء لغوي يوهم بالتحرر.
إذا كانت البداية قد تمثلت في عرائض وقعتها النخبة المثقفة تطالب بإعادة تعريف الحدود الأخلاقية، فإن ما نراه اليوم في المجتمعات الغربية من تغييرات عميقة في مناهج الأطفال يثير تساؤلات مشروعة حول إدخال مفاهيم تغيير الجندر إلى تعليم الجنس وكسر محرمات كانت ولا تزال مرفوضة دينيًّا وأخلاقيًّا في أغلب المجتمعات. وهنا يصبح السؤال المطروح: هل نحن أمام مسار فكري أم مجرد ظواهر منفصلة؟
في هذا السباق، لا تبدو الصدمة كبيرة عند الكشف عن فضيحة جيفري إبستين. فهنا لا نتحدث عن تنظير فكري أو جدل ثقافي، بل عن ممارسات موثقة وشبكات نفوذ تضم سياسيين، ورجال أعمال وفنانين، كثير منهم يرفع خطاب الفضيلة وحقوق الإنسان علنًا، بينما يظهر في محيطه أحد أبشع القضايا الأخلاقية في العصر الحديث.
الربط بين الحالتين ليس افتراضًا أو مبالغة، بل منطقي. فعندما يفرغ المفهوم الأخلاقي من مضمونه نظريًّا، وحين يُعاد تعريف الانحراف بوصفه “حرية” عند النخبة المثقفة، تصبح الممارسة لاحقًا أقل صدمة وأسهل تبريرًا وأصعب إدانة.
المشكلة ليست في وجود الانحرافات، فكل المجتمعات تعرفها، لكن حين يصدر التبرير من النخبة ويمارس الانحراف من أصحاب النفوذ، ثم يقدمون أنفسهم على أنهم أوصياء أخلاقيون على الآخرين، حين يخون الفكر الأخلاقي وتتبنَّى السلطة والمال الانحراف، لا يكون السقوط حضاريًّا بقدر ما هو سقوط أخلاقي.. يبدأ بالكلمات وينتهي بالضحايا.
