تدوير الفشل في ليبيا

عبدالسلام محمد إسماعيل
الوقت في ليبيا ينفد من الجميع، وربما لن يكون هناك منتصر في أي صراع، خصوصًا في ضوء المشهد السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي والمعيشي، حيث إن الوضع السياسي يتسم بالانقسام الشديد مع وجود حكومة في طرابلس تدّعي الشرعية وأخرى في بنغازي تدّعي التمثيلية المناطقية. تساهم هذه الوضعية في مزيد من تأزيم الوضع المتأزم أصلًا، فيما تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية ذات الانقسام، وتستمر السلطة التشريعية في الانقسام على نفسها عبر انشقاق مجموعة من النواب والانتقال إلى العمل من طرابلس، وزاد من حدة مشاكل البرلمان أن زاحمه مجلس الدولة في الكثير من الاختصاصات.
أدى هذا الانقسام المؤسسي في كافة أركان الدولة الليبية إلى خلق حالة سياسية واقتصادية ومعيشية لا تطاق، حيث ساهمت كل تدخلات السلطات المختلفة في تعميق أزمة البلاد وتضييق الخناق على العباد. ولم يشكل تغيير إدارة مصرف ليبيا المركزي أي فارق، بل زاد من مشاكل الأوضاع النقدية، حيث الارتفاع المضطرد في سعر الدولار، الأمر الذي جعل الظروف المعيشية لعموم الشعب الليبي لا تطاق. كما أن تغيير إدارة المؤسسة الوطنية للنفط لم يساهم بأي شكل في زيادة الإنتاج ومكافحة الفساد داخل القطاع، وعلى العكس فإن هذه التغييرات كانت بالأساس استجابة لمتطلبات المحاصصة الجهوية والمناطقية. ولا يخفى على أحد أثر عاهة الجهوية والمناطقية والمحاصصة في تعميق وتوطين الفساد داخل مؤسسات الدولة. كما فشلت الحكومات المختلفة في معالجة القضايا الأساسية، وفي مقدمتها قضايا الصحة العامة وقضايا التعليم، حيث تعجز الدولة حتى عن توفير الكتاب المدرسي وباقي الوسائل التعليمية الأخرى رغم إهدار المليارات تلو المليارات من سنة لأخرى.
تدخلات السلطة التشريعية بدورها أوجدت المزيد من المشاكل، خصوصًا على مستوى تسمية مسؤولي الجهات السيادية العليا مثل المصرف المركزي والرقابة الإدارية وكل المراكز القيادية الأخرى التي يتطلب شغلها تسمية رؤسائها من البرلمان. ولم يقتصر العبث على ما يتعلق بالبرلمان واختصاصاته، بل ساهم تدخله في انتشار عدوى الصراع إلى السلطة القضائية التي تشهد أعلى دوائرها صراعات غير مبررة، خصوصًا بالنسبة للمجلس الأعلى للقضاء ورئاسته، الأمر الذي قد يمس بهيبة القضاء وحياديته واستقلاله وما يمثل هذا الأمر من مخاطر على حقوق الأفراد ومراكزهم القانونية.
لم تسلم المؤسسة العسكرية من عدوى الانقسام، حيث يتخندق طرفا الصراع شرقًا وغربًا، كلٌّ في خندقه مدعيًا الشرعية، ورغم عمل لجنة 5+5 إلا أن جهودها ذهبت أدراج الرياح أمام الحاقدين على أي مؤسسة وطنية. وعلى مستوى القيم المجتمعية انحدر مستوى إدارة الاختلاف إلى أدنى حالاته، القتل خارج القانون لأسباب تتعلق بالاختيارات السياسية، كما برز القتل كأداة لفرض السيطرة على الثروة والنفوذ. حيث وصفت إحدى حالات القتل بأنها عملية سريعة وناجحة، وبررها البعض بأنها أزاحت عقبة أمام الحكومة حتى تتمكن هذه الأخيرة من إنجاز مهامها. وفي ذات السياق يفسر الرأي العام المحلي عملية إزاحة الحداد عبر انفجار طائرته في الأجواء التركية.
وفي هذا السياق المهزوم تستمر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ممارسة اللعبة التي تجيدها، حيث تدير الحوار تلو الحوار لإلهاء الفرقاء والمتنافسين المحليين، وينتج عن ذلك ذات الوصفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي ثبت فشلها مرارًا وتكرارًا، والتي تهدف في الحقيقة إلى مزيد من إهدار وقت الشعب الليبي الذي يحتاجه أكثر من أي شيء آخر. إن هدر المزيد من وقت الشعب الليبي هو الهدف حتى تصل البلاد إلى حافة الهاوية، وعندها سوف يُكره الشعب على الاختيار بين أمرين أحلاهما مر: إما القبول بما يمسّ كرامة واستقلال وموارد الشعب الليبي، وإذا لم يقبل الشعب وقواه الحية مثل تلك الحلول المريرة، حينها سوف تُدفع ليبيا دفعًا إلى هاوية التوطين والتقسيم ونهب موارد البلاد الطبيعية.
