عندما تخلط الأوراق يضيع الضفدع في الضباب

حامد الحضيري
ما يجري في وطني اليوم لم يعد خلافًا سياسيًّا طبيعيًّا ولا صراعًا مرحليًّا يمكن احتواؤه بالمبادرات، بل هو حالة إرباك مقصودة تدار تحت مسمى التعقيد السياسي، بينما حقيقتها خلط ممنهج للأوراق لإدامة الأزمة. لقد اختلطت الشرعيات وتداخلت السلطات وتعددت العناوين حتى فقد المواطن القدرة على التمييز، لا لقصور في وعيه، بل لأن المشهد صُمم ليكون ضبابيًّا.
في هذا الضباب لا يضيع من يملك النفوذ، ولا من يتحرك وفق مصالح خارجية أو داخلية واضحة، بل الذي يضيع هو المواطن الليبي، الطرف الأضعف في معادلة بلا قواعد، الذي يُطلب منه الصبر دون مكاشفة، والتحمل دون مساءلة، والانتظار دون أفق.
إن خلط الأوراق لم يكن نتيجة فشل فقط، بل تحول إلى أداة سياسية تُستخدم لتعطيل الحلول وتأجيل الاستحقاقات، وتدوير نفس الوجوه تحت مسميات مختلفة، بينما تتآكل الدولة ويتراجع الحد الأدنى من الثقة العامة سياسيًّا. لم يعد الصراع في وطني صراع برامج أو رؤى، بل صراع إدارة أزمة مفتوحة تُفتح فيها الملفات للمساومة لا للحسم، وتُغلق القضايا بلا عدالة، وتُستخدم المعاناة اليومية للمواطن كوقود للاستمرار.
الضباب ليس غيابًا للرؤية فقط، بل إلغاء متعمد للسؤال حين تُفرغ المفاهيم من معناها، وتُقدم الفوضى على أنها واقع لا بد منه، ويُصور الوضوح كخطر. عندها يصبح الضياع نتيجة طبيعية. أخطر ما في هذا المشهد أن المطالبة بالوضوح تُعامل كتصعيد، والدعوة للمساءلة توصم بالتحريض، بينما الغموض وحده هو المسموح به، لأنه يحمي شبكة المصالح القائمة.
هذا البيان لا يصطف مع طرف ولا يخاصم اسمًا بعينه، بل ينحاز إلى حق المواطن في المعرفة، وإلى حق الدولة في أن تُدار بوضوح، وإلى حق السياسة في أن تُمارس كمسؤولية لا كمناورة. إن إنقاذ ليبيا لا يبدأ بتبديل الشعارات، ولا بتغيير العناوين، بل بتفكيك الضباب، وفرز الأوراق، وتسمية الأشياء بأسمائها، ووضع كل جهة أمام مسؤوليتها التاريخية.
في وطن تُخلط فيه الأوراق عمدًا، سيظل المواطن تائهًا إلى أن يُعاد الاعتبار للوضوح، لأن الشعوب لا تضل للأبد، لكن الأوطان قد تُستنزف حتى الانهيار. وهذا رأي عام لكل من يملك قرارًا أو منبرًا: أن يتوقف عن إدارة الضباب ويبدأ في صناعة طريق واضح قبل أن يضيع الجميع. حفظ الله الوطن أرضًا وشعبًا وجيشًا.
