مقالات الرأي

حين تصطدم طموحات المؤسسة النفطية بحدود الواقع


عثمان الدعيكي


تسعى المؤسسة الوطنية للنفط منذ سنوات إلى رفع معدلات إنتاج النفط الخام، واضعةً أرقامًا طموحة تعكس حاجة البلاد الملحَّة إلى تعظيم الإيرادات النفطية في ظل أوضاع اقتصادية ومالية معقدة. ورغم الإعلان المتكرر عن خطط للوصول إلى مستويات إنتاج مرتفعة، فإن هذا المسعى يصطدم بجملة من التحديات الفنية والمالية والأمنية، ما يجعل تحقيق هذه الأهداف أمرًا بالغ الصعوبة في المدى المنظور.
عرفت ليبيا ذروة إنتاجها النفطي خلال أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين تجاوز الإنتاج ثلاثة ملايين برميل يوميًّا، لتكون من بين أكبر الدول المنتجة في منظمة أوبك. واستمر الإنتاج عند مستويات مرتفعة نسبيًّا خلال العقود اللاحقة، رغم تأثره بفترات من التراجع نتيجة التزامات أوبك والعقوبات الدولية التي فُرضت على البلاد في الثمانينيات والتسعينيات. ومع رفع العقوبات مطلع الألفية الجديدة، عاد الإنتاج تدريجيًّا ليصل إلى نحو 1.6 مليون برميل يوميًّا بحلول عام 2010، وهو المستوى الذي يُعدُّ حتى اليوم أقرب نقطة واقعية يمكن القياس عليها عند الحديث عن الطاقة الإنتاجية القصوى في ظل البنية التحتية التي كانت قائمة آنذاك.
غير أن أحداث عام 2011 شكَّلت نقطة تحوُّل حادة في مسار القطاع النفطي، إذ انهار الإنتاج إلى أقل من 200 ألف برميل يوميًّا نتيجة توقف معظم الحقول والموانئ، قبل أن يشهد تعافيًا متذبذبًا خلال السنوات اللاحقة. وظل هذا التعافي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالوضعين الأمني والسياسي، حيث كانت أي انفراجة مؤقتة تُقابلها انتكاسة جديدة بسبب الإغلاقات المتكررة للحقول وخطوط النقل وموانئ التصدير.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2019، تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط من رفع الإنتاج تدريجيًّا ليقترب من 1.2 مليون برميل يوميًّا، مستفيدة من تحسن نسبي في مستوى التنسيق الأمني حول المنشآت النفطية. إلا أن هذا التحسن لم يدم طويلًا، إذ أدت الإغلاقات الشاملة مطلع عام 2020 إلى تراجع الإنتاج مجددًا إلى مستويات متدنية، ما كبّد الاقتصاد الليبي خسائر كبيرة، وأعاد طرح تساؤلات حول هشاشة قطاع يُفترض أن يكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
ومنذ ذلك الحين، يتأرجح إنتاج النفط بين الصعود والهبوط، وغالبًا ما يتحسن لفترات قصيرة قبل أن يتراجع مرة أخرى، رغم إعلان المؤسسة الوطنية للنفط عن خطط لرفع الإنتاج إلى 1.6 مليون برميل يوميًّا أو أكثر. وتؤكد المؤسسة في بياناتها الرسمية أن الوصول إلى هذه المعدلات يتطلب توفير بيئة مستقرة، وضخ استثمارات كبيرة لتطوير الحقول القائمة وحفر آبار جديدة، إلا أن الواقع يُظهر أن رفع الإنتاج لا يرتبط فقط بالإرادة أو الطموح، بل يحتاج إلى شروط أساسية، في مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني، باعتبار أن القطاع النفطي الليبي شديد الحساسية لأي توترات أو خلافات. كما تعاني البنية التحتية النفطية من تهالك واضح نتيجة سنوات من نقص الصيانة والاستثمار، حيث تعمل العديد من الحقول والمرافق بمعدات قديمة تجاوز بعضها عمره الافتراضي، ما يجعل تشغيلها عند طاقات مرتفعة أمرًا محفوفًا بالمخاطر الفنية والبيئية.
وتبرز الحاجة أيضًا إلى استثمارات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، لتحديث المنشآت السطحية والموانئ وخطوط الأنابيب، إضافة إلى تطوير الحقول المكتشفة منذ عقود. غير أن جذب هذه الاستثمارات يظلُّ تحديًا كبيرًا في ظل غياب الاستقرار التشريعي والمؤسسي، وتردد الشركات الأجنبية في العمل ضمن بيئة عالية المخاطر.
وفي المحصلة، لا يمكن فصل طموحات المؤسسة الوطنية للنفط عن الواقع السياسي والاقتصادي المحيط بها، إذ إن تحقيق مستويات إنتاج مرتفعة ومستدامة يتطلب مسارًا طويلًا يبدأ بالاستقرار، ويمر بإصلاحات مؤسسية حقيقية، وينتهي بإدارة مهنية للقطاع بعيدًا عن التجاذبات السياسية. وحتى تتحقق هذه الشروط، سيبقى النفط الليبي عالقًا بين طموح مشروع وإمكانات محدودة، في معادلة معقدة يصعب كسرها في المدى المنظور.

زر الذهاب إلى الأعلى