مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت، المداخلة : 27


مهدي امبيرش


كانت كل المداخلات السابقة تحت هذا العنوان، محاولات لإبراز الأزمة التي كانت ولا تزال تسيطر على منهج التفكير الإنساني، التي حددنا بداية لها منذ آدم عليه السلام وزوجه، وهي توهم الإنسان المحدود أن بإمكانه إدراك المطلق، الذي نستخدم له ضمن مصطلحات البيان، إدراك المعني، الذي قلنا مرارا إنه ليس المفهوم، وبذلك يكون الفردوس المفقود هو المعنى، وكل المحاولات: قديمها وجديدها، لا تنفك تدور حول هذه الأزمة. فالخلد والملك الذي لا يبلى، هو نفسه المطلق، الذي لأنه مطلق لا يجب أن يتموضع أو أن يتم تحييزه داخل حدود أو شكل.
وقولنا متموضع ومحدود، هو الذي جعل عنوان هذه المداخلات يربط بين اللاهوت من جهة، وبين مشروع الفلسفة، الذي يبقى منفتحا على الحقيقة إلى نهاية الوجود، وبين المنطق، الذي هو تمظهر الوجود: بعضه أو دليله، ومن ثم دارت كل المساحات والمماحكات، والخلافات والاختلافات حول هذه الإشكالية، في محاولة يائسة وبائسة، من أجل تجاوز هذه الأزمة، بل ووصلت الخلافات والاختلافات إلى حد الاقتتال، والمعارك التي دارت في المساجلات الكلامية، أو الخط على القراطيس، كثيرًا ما تحولت إلى أنهار من دماء الملايين من البشر، كل حزب بما لديهم فرحون. إذ لو عرف الإنسان منذ آدم قدر نفسه فوقف دونه لجنَّب نفسه كل هذه المحن والإحن، ولتوجه جهد البشرية إلى الارتقاء بها إلى مصاف الإنسانية، ولا حُوِّلت هذه الدماء والأموال والجهد والوقت إلى عمل إنساني يقوم على تعاون يؤكد حضور الإنسان ووعيه وإرادته، إلى فعل إنساني راق، إلى علاقة إنسانية، خالية من البغضاء والحقد ووهم التأله وإخضاع الإنسان لأخيه الإنسان.
نعود إلى القول إن الأزمة أزمة منهج تفكير في الإنسان، أنتج وهمًا، كما سيطر على آدم فأوصله إلى العصيان، أو التعصي، بدل أن يكون طيِّعًا، فتكون النتيجة أنه غوى. هنا، وهذا ما نبهنا إليه في مداخلات سابقة والمداخلة الأخيرة، إلى ضرورة الانتباه إلى رمزية الشجرة والكلمة والعلم، والمعرفة التي هي فرع العلم لا العلم.. على الرغم من أن الله تعالى علَّم آدم الأسماء كلها، وذكرنا أهمية تعليم الاسم والربط بين الاسم والمسمى، وهي عملية لا تزال تقع في عمق الأزمة الإنسانية إلى اليوم، أي لا تزال أزمة آدم ماثلة، ولا أظنها سوف تتوقف، إلى بدايات القرن السابع عشر حتى القرن العشرين، بانتصار نزعة الطبيعة المادية، وتوهم أن المعرفة المحدودة صارت علمًا، سواء في مجال الدراسات الفيزيائية أم في مجالات دراسة الإنسان، أو ما يعرف توسعًا بالعلوم الإنسانية، ومن ثم تعود الأزمة من جديد إلى شرك في منهج التفكير، إلى ثنائية جديدة، بدءًا من ثنائي dualism، السماء والأرض، إلى جعل السماء موطن الآلهة والمقدس، والأرض موطن البشر، إلى مدنسين ونجس ومنبوذين، وإلى مباركين وطاهرين ومقدسين، إلى طقوس للتطهير، تتخذ مظاهر عدة، وإلا ستكون عنوانًا للمبحث الجديد، هو الطهارة وطقوس التطهير، في الخرافات والأساطير والسحر والتنجيم. إلى حد تقديم البشر قرابين لإرضاء قوى غيبية، إلى رمزية التطهير في الشرائع الإلهية.
نذكِّر بالذي قلنا: إن هذه الثنائية في تصور الكون، ثنائية السماء والأرض، قد فرضت التفكير في إيجاد الوسيط من أجل سد ذات البين، إذ هذا الفراغ، وإيجاد برزخ فاصل يَحول دون الصدام وإن كان يبقي الحال على ما هو عليه.
إن فكرة الوسيط باقية إلى الآن تتخذ مظاهر تؤكد على أن منهج التفكير لا يزال تسيطر عليه هذه الثنائية التي توجد بالنتيجة الثالوث الذي يتحول عند البعض إلى الثالوث الأقدس أو الثالوث المقدس. لقد رأينا كيف أن هذا المنهج يأخذ بعدًا في أطروحات الخطاب ومنطق الدراسات اللغوية أو في نظريات الألسنية العامة. لقد فهمنا من تعليم آدم الأسماء كلها إلى حل معضلة لا تزال قائمة إلى اليوم في نظريات اللغة والمعرفة بين القول بالمعرفة المفارقة أو القبلية وهي صياغة لفكرة المقدس أو السماوي أو الإلهي حيث سيحظى الاسم بالقداسة فيأخذ الاسم من السُّمو والارتفاع والسماء بعده أي أن الاسم هو الذي يسمو عما دونه ثم يكون الفعل دليلًا عليه في مصطلح كررناه، وهو مصطلح التضايف في العلاقة بين الفعل والفاعل، وإن كان الفاعل متأخرًا عن الاسم، إِذ يبقى الاسم اسمًا حتى إن لم يفعل.
في ظاهرة نحوية عربية وهي مهمة أن الاسم حكمه الرفع، مع ملاحظة أن الرفع لا يصدر إلا عن قوة، وبهذا ندرك أن لفظ فاعل يفيد ألف المد فيه إلى عبور للفراغ الظرفي، أي لا يوجد برزخ في مصطلح فاعل، واللسان العربي الوحيد الذي من مظهره الوزن، لأننا قلنا وكررنا أن العلاقة بين الحروف في الذهن هي علاقة خلوية، وأن هذه العلاقة تجعل الكلمة عضوًا حيًّا متحركًا، ولأنها إرادة ومشيئة فإنها تتم بفعل الروح التي هي أبعد من النفس، حتى أننا طالبنا في الإعراب البياني بأن نبتعد عن الأسلوب الظاهري الوصفي، وأن نذهب إلى الداخل إلى دراسة تلكم العمليات التي تدور في الذهن، وأن الجملة لا تكون إلا بعملية البناء، فالمفهوم كالمبنى لا يتم إلا بالخريطة التي ينتجها منهج التفكير والمواد التي لابد أن تعبر إلى الخارج وهي التي نسميها التعبير، على أن الفرق بين الظاهر والباطن لا يزال قائمًا في مدارس التفكير اليوم التي سنعرض لدراسة بعضها كالظاهرية أو المباطنة والكمون أو الحلولية.
في الحلقة السابقة أشرنا إلى ما يعرف بنظرية المحاكاة عند أفلاطون، وقلنا إنها تكشف عن منهج تفكيره، فهو يرى كأستاذه سقراط أن الحقيقة مفارقة في السماء، وأن الذي نتوهم أن نراه على الأرض أو نلمسه أو نشمه ليس إلا وهمًا وابتعادًا، ولهذا كان له موقف من كل الموجودات المدركة أو التي يمكن إدراكها، وإن كارثة حلت بالنفوس عندما سقطت إلى العالم المادي ووقعت أسيرةً بالجسد، وهي لن تتحرر إلا إذا تخلصت منه، ولهذا سقنا مقولة لسقراط تقول إن الموت مطلب الفلاسفة، فالحكمة في السماء والفيلسوف الحقيقي المحب للحكمة لابد أن يتخلص من الجسد، ولهذا لم يدافع عن نفسه وقبل أن يتجرأ عصارة نبات الشوكران السامة، وفي محاورة فيدون وهي الأخيرة نراه إنسانًا سعيدًا بهذه النهاية، بل إنه استلقى على السرير كي يتسرب السم سريعًا في جسده ويموت بسرعة، وهذه العملية نقرؤها طقسًا من طقوس التطهير الفلسفي الذي سيكون عنوانًا لمبحث جديد في اللاهوت وطقس التطهير.
لقد ذكرنا في المداخلة السابقة كيف عارض أرسطو هذا المنحى، فبدل الموت بالجسد عند سقراط أو الجدل الصوري المعراجي عند أفلاطون، فإن أرسطو الذي يختلف منهج تفكيره ومشروعه المقدوني عن مشروع أفلاطون الإصلاحي فهو لم ينكر عالم السماء خوفًا من الحكم عليه بالإعدام بتهمة التجديف على الآلهة أو أسلوب أفلاطون في التخفي وراء شخصية سقراط في المحاورات ويجعل من سقراط قناعًا يخفي آراءه، فإن أرسطو المنطقي والعملي والذي ينظر إلى دولة إمبراطورية لتلميذه الإسكندر، فقد قال بإنزال الصور المفارقة في السماء إلى الأرض ويكون المؤسس لما يعرف اليوم بالأرضنة (secularism) والتي تترجم خطأً إلى العربية على أنها العلمانية، فالأرض مقابل السماء هي النزعة المادية التي بنيت عليها المدرسة الوضعية الفرنسية والتي قادها المفكرون العبرانيون والتي ظهرت في ما عرف بالوضعية المنطقية في حلقة ڤيينا وما يسمى بالتجريبية الأنجلو أمريكية.

زر الذهاب إلى الأعلى