مقالات الرأي

ثلاثية الاغتيال!


الحرب آخر مراحل السيطرة، وقبلها تُستهدف إرادة الإنسان بثلاث وسائل.
تبدأ بالاغتيال العقلي؛ أي إعادة تشكيل العقل والوعي بتزيين الطريق الخاطئ، بشعارات تقنع الإنسان طوعًا بما يضرُّه، فيُعاد تعريف العدو والصديق؛ فيصبح التطبيع مع العدو الوجودي “واقعية سياسية”، والتفريط في السيادة “وطنية”، والتبعية “تحالفًا”، والتشكيك في شركاء المصير “أمنًا”، واستهداف القوات المسلحة “مدنية”، وإضعاف الدولة “حرية”، وتدمير منظومات العدالة الاجتماعية “إصلاحًا اقتصاديًّا”، والنهب “حرية ليبرالية”، كما يوظف الشعور الديني لاقتراف جرائم ضد المجتمع، فيتحول الإيمان إلى وسيلة هدم.
وإذا بقي الشخص مستقلًّا، يبدأ استهداف سمعته وهيبته وكرامته ومكانته الاجتماعية، عبر توظيف ثلاثية (الجنس، والمخدرات، والمال)، باستدراجه لاقتراف ممارسات مخلة بالشرف، أو مخالفة للقانون، أو محطمة للهيبة. ويتم توثيقها لاستخدامها أداة ابتزاز للسيطرة، مثل مستمسكات (إبستين).. كثيرٌ ممن في المشهد الليبي اليوم لا يستطيع أن يخالف إرادة من يمتلك عليه مستمسكات، الضحية يعيش تحت تهديد مستمر، فيفقد حرية قراره، وينقاد «بسبيبةٍ بخشمه»، مستعدًّا لتنفيذ ما يُطلب منه خشية انكشاف أمره.
وبعد أن يؤدي الضحية دوره، يتم التخلي عنه؛ مثلما وُضع الإسلامويون على قوائم الإرهاب بعد أن أسهموا في تفكيك الاتحاد السوفيتي. كما أن أنظمة التطبيع العربية بدأت تلاقي المصير نفسه؛ فمن يبدِّل جلده ويغيِّر عقيدته خدمةً لمشروع غيره، غالبًا ما يكون أول الضحايا، لأنه ليس شريكًا في مشروع، بل أداة لتنفيذه.
إذا لم يُغب الرمز فكريًّا، ولم يُكسر معنويًّا، تتم إزالته بالاغتيال الجسدي. ليبيا قدَّمت قافلة من الشهداء، منذ إعدام غومة المحمودي، إلى عمر المختار، وصولًا إلى اغتيال سيف الإسلام، رمز الانفتاح والتسامح والمصالحة.
الخلاصة: وسائل سلب إرادة الشخص المؤثر، دون حرب، تتم بثلاث وسائل متدرجة:
إما أن يُدفع لتبنِّي أفكار تهدم مجتمعه بيده، أو يُقيَّد بملفات تسلبه حرية قراره، أو يُزال جسديًّا إذا بقي عصيًّا على الإخضاع.
إن معركة الوعي وبناء المناعة الأخلاقية هي خط الدفاع الأول عن الإرادة الوطنية.
فمن تُسلب إرادته لا يحتاج إلى عدو يغزوه.. بل يكتفي بتوجيهه أو ابتزازه ليسيطر على قراره.
فهل من معتبر؟

زر الذهاب إلى الأعلى