الخلل الفلسفي في فهم الحياة

بقلم د.علي المبروك أبوقرين
ليست كل الأزمات أزمات موارد، ولا كل الانهيارات وليدة الفقر أو العجز أو الحصار. بعض الانهيارات أخطر من ذلك بكثير إنها انهيارات في الفهم، واختلالات في المعنى، وانقلابات في القيم. وحين يصيب هذا الخلل قطاعات مثل الصحة والتعليم الطبي، فإن ما ينهار ليس مؤسسات فحسب، بل فكرة الحياة ذاتها. في ليبيا كما في تجارب تاريخية أخرى لم يكن التعليم الطبي ولا النظام الصحي العام منحة عابرة أو ترفًا سياسيًا بل كانا ثمرة رؤية أخلاقية عميقة أن الإنسان هو الغاية والصحة حق والعلم رسالة، والعدالة الاجتماعية ليست شعارًا بل ممارسة. من رحم الفقر ومن هوامش الحاجة ومن بيوت لم تعرف اليسر، صعد أطباء وأكاديميون ومسؤولون، صنعتهم المجانية، وحملتهم الدولة والمجتمع على أكتافهما، وأوصلوهم إلى أرفع مراتب العلم في الداخل والخارج. لكن حين يتحول من صعدوا بسلم العدالة الاجتماعية إلى أول من يركله خلفهم. وحين يتنكر من أنقذتهم الدولة من العوز والجهل لمنظومة التعليم المجاني والصحة العامة، ويعيدون تعريف الطب كسلعة والعلم كامتياز والعلاج كخدمة لا يستحقها إلا القادرون. هنا لا نتحدث عن أخطاء إدارية بل عن تحول قيمي عميق وعن أشخاص لبسوا أثوابًا لم يعرفوها في ماضيهم، وتصرفوا كأنهم ولدوا في الثراء، ونشأوا في الرياض والمدارس والجامعات الخاصة العريقة، ولم يمروا يومًا بعنابر المستشفيات العامة ولا بمقاعد المدارس الحكومية. هؤلاء أنفسهم شاركوا بالفعل أو بالصمت أو بالمصلحة في إفشال النظام الصحي العام، ثم تباهوا بازدهار القطاع الخاص . جمعوا بين الوظيفة العامة والممارسة الخاصة، وبين سلطة القرار ومنفعة السوق. حولوا مرضى المستشفيات العامة إلى مواد تدريب بلا كرامة ولا حماية ولا موافقة واعية. صنعوا أسواقًا للشهادات والزمالات والمجالس التخصصية الوهمية، المحلية والعربية والأفريقية والدولية، التي لا تملك تعليمًا حقيقيًا ولا تدريبًا سريريًا ولا اعتمادًا علميًا. وفي الوقت ذاته يرسلون أبناءهم إلى أرقى الجامعات العالمية، ويتلقون علاجهم في أشهر المستشفيات الأوروبية، وعلى نفقة الدولة ذاتها التي جعلوا نظامها الصحي في أسوأ حالاته. أي تناقض هذا؟ وأي خلل فلسفي يجعل الإنسان يقبل لغيره ما لا يقبله لنفسه ولا لأبنائه؟ إن أخطر ما نعيشه اليوم هو فساد المعنى. حين يتحول الطب من رسالة إنسانية إلى تجارة، وحين يُسلَّع التعليم الطبي، وحين يصبح المرض موردًا اقتصاديًا، وتغدو المعاناة سوقًا، ويُختزل الإنسان إلى رقم في معادلة ربح وخسارة. فالدول لا تُقاس بعدد المصحات الخاصة ولا بكثافة الإعلانات الطبية، ولا بتضخم أسواق التأمين والشهادات، بل تُقاس بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها، وبضمان العلاج بكرامة، وبأن يكون العلم أداة تحرير وليس وسيلة استغلال. حين تُدار الصحة بمنطق السوق لا تُنتج عافية بل تُنتج مرضًا مستدامًا. وحين يُدار التعليم الطبي بمنطق الربح لا يُنتج أطباء بل يُنتج حملة شهادات. وحين يصبح انهيار العام شرطًا لازدهار الخاص، فإن المجتمع كله يُدفع إلى هاوية فقدان الثقة، وانكسار العدالة، وتآكل الضمير. إن أخطر ما في هذا المسار أنه يُطبع القبح، ويحول الاستثناء إلى قاعدة، ويجعل الجريمة ممارسة يومية مبررة باسم الواقعية والاستثمار. لكنه مسار لا يمكن أن يبني دولة، ولا أن يحفظ مجتمعًا، ولا أن يصون مستقبلًا. فالطب الذي لا تحكمه الإنسانية يتحول إلى أذى، والتعليم الذي لا تحكمه القيم يتحول إلى خداع، والدولة التي لا تحمي الصحة والمعرفة تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد مؤسساتها. وهنا لا يعود السؤال كم فتحنا من كليات؟ ولا كم بنينا من مصحات؟ ولا كم سوقنا من برامج وزمالات بل السؤال الذي لا مهرب منه هو أي حياة نريد؟ حياة تُصان فيها الكرامة ويُحمى فيها الضعفاء، ويُرد فيها الاعتبار للعلم والطب كرسالة؟ أم حياة يُتاجر فيها بالألم، ويُستثمر فيها المرض، ويُكافأ فيها من يهدم العام ويفتخر بازدهار الخاص؟ ذلك هو جوهر المعركة الحقيقية وذلك هو الخلل الفلسفي في فهم الحياة.
