مقالات الرأي

على حافة الجوع

مصطفى الزائدي

يستمر تدهور الاقتصاد الليبي بشكلٍ مريع، حيث توقف الإنتاج الصناعي والزراعي إلى الحدود الدنيا، وعادت ليبيا إلى أوضاع شبيهة بزمن الستينيات، عندما كانت تستورد نحو 90% من احتياجاتها الصناعية والغذائية، بما في ذلك الخضراوات والفواكه والبيض والدواجن وغيرها.

وذلك رغم النجاح الكبير الذي حققته ليبيا بعد ثورة الفاتح في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من العديد من المنتجات الزراعية والصناعية، حيث انخفض استيراد المواد الغذائية إلى نسب بسيطة جدًّا من متطلبات السوق الليبي، وتحقق الاكتفاء من اللحوم الداجنة، والأسماك، والبيض، والألبان ومشتقاتها، كما انخفض استيراد اللحوم الحمراء إلى ما لا يزيد على 40 % من حاجة السوق المحلي. وكان للمشروعات الزراعية، ومشروعات الأبقار والدواجن، دورٌ كبيرٌ في الوصول إلى ذلك.

وخلال الفترة الماضية دُمِّرت تلك المشروعات، وتوقف الإنتاج الزراعي الخاص إلا في حدود ضيقة، لعدة أسباب منها انقطاع الكهرباء، وتوقف دعم البذور والأسمدة، وارتفاع تكلفة العمالة. كما تأثرت صناعة الدواجن للأسباب نفسها، إضافة إلى توقف أغلب مصانع الأعلاف.

كما دُمِّرت المشروعات الصناعية التي كانت ليبيا رائدة فيها إقليميًّا، مثل صناعات الأسمنت، والإلكترونيات، والأنابيب، والحديد، ويُضاف إلى ذلك ما أصاب قطاع الكهرباء من خللٍ جسيم، وكذلك تضرر قطاع النقل.

لذلك نجد اليوم أن نسبة كبيرة من الخضراوات والفواكه، والحليب ومشتقاته، مستوردة من مصر وتونس وبأسعار مرتفعة، وكذلك باقي المواد الغذائية.

كما أن ليبيا كانت قد حققت شبه اكتفاء ذاتي من الأسمنت ومواد البناء والحديد والألومنيوم والأنابيب وغيرها، لكنها اليوم تواجه عجزًا كبيرًا في هذه المواد، وتستورد الجزء الأكبر من حاجة السوق منها. وقد توقفت كليًّا صناعات الإلكترونيات، والأدوية، والصناعات البتروكيماوية، وصناعة الأنابيب، وغيرها.

الدخل الوحيد المتبقي، رغم تذبذبه، هو النفط، الذي أصبح يعتمد عليه الاقتصاد الليبي بنسبة تقارب 100 %. وهو دخل يتعرض جزءٌ كبيرٌ منه للنهب الأجنبي الممنهج من خلال تصرفات شركات النفط التي لم تعد تهتم بالجانب الليبي، إضافة إلى النهب المحلي من قبل المافيات المسيطرة على الدولة الليبية، عبر تهريب النفط الخام ومشتقاته، والتلاعب بعائداته، والتآمر مع الشركات الأجنبية للاستحواذ على أكبر قدر ممكن منه.

ومن جانب آخر، عجزت الدولة عن توفير التمويلات الضرورية للخدمات الأساسية المتمثلة في التعليم، والصحة، والنقل، والاتصالات، والطاقة، ما أدى إلى وصول هذه القطاعات إلى حافة الانهيار. وبالنظر إلى حجم الفساد في القطاعين الاقتصادي والمالي والمصرفي، ظهرت أزمة سيولة حادة، حيث أصبحت المصارف خاوية على عروشها، وينتظر المواطنون أيامًا وأسابيع ليتمكنوا من سحب مبالغ قليلة من مدخراتهم.

وقد تفاقمت أزمة المصارف بسبب التدخلات في النظام المصرفي تحت ذريعة محاربة الربا، من خلال تطبيق ما سُمِّي بالصيرفة الإسلامية، فنتج عن ذلك نظام ربوي واضح، وظهرت ظاهرة ما يُعرف لدى الليبيين بـ«حرق الصكوك» كإحدى سمات التعامل المصرفي. ومن جانب آخر، ترعرعت السوق الموازية، وأصبح الأغنياء، وهم قلة، يحتفظون بأموالهم في بيوتهم.

يُضاف إلى كل ذلك الارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات، حيث وصلت إلى أرقام خيالية، وانقسم المجتمع الليبي عمليًّا إلى قلة قليلة تُعرف بأثرياء التمشيط والاعتمادات، إضافة إلى حفنة من اللصوص والمهربين وتجار المخدرات والسلاح، في مقابل أغلبية ساحقة لا تستطيع توفير لقمة العيش ولا تأمين المصروفات الضرورية لعائلاتها.

وقد نتج عن ذلك انتشار أمراض اجتماعية خطيرة تمثلت في الفساد الأخلاقي، والسرقة، والحرابة، والرشوة، التي أصبحت تُمارس بشكل علني، كما انتشرت ظاهرة التسول على نطاق واسع جدًّا.

ومن نتائج ذلك أيضًا بروز مشاكل اجتماعية داخل العائلات، وصلت إلى جرائم قتل بشعة بين الإخوة، والأبناء، والآباء، والأعمام، بسبب محاولات الاستحواذ على المواريث والأموال.

إن ما تتجه إليه ليبيا بخطى متسارعة هو انهيار اقتصادي سيؤدي حتمًا، عاجلًا غير آجل، إلى اضطرابات اجتماعية خطيرة، ستقود إلى زوال الدولة الليبية، وتفتيت المجتمع الليبي، وإفشال أي محاولات سياسية للتعايش السلمي بين الليبيين. والأخطر من ذلك أن هذه الأزمة الاقتصادية لا يمكن معالجتها بالأدوات نفسها التي تسببت فيها، وإن ادَّعت الجهات المسؤولة البحث عن حلول، فإنما ذلك لا يعدو كونه ذرًا للرماد في العيون.

إن مواجهة الأزمة الاقتصادية أكثر أهمية وصعوبة من التعامل مع الأزمة السياسية، رغم ارتباطهما الوثيق. وقد وصلت الحالة إلى درجة لا يمكن الحدُّ منها إلا بتدخل شعبي قوي، وفي تقديري أن الوضع بلغ حدًّا يتطلب عملية عسكرية جريئة تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، وتحرر مؤسسات الدولة الاقتصادية من عبث الفاسدين واللصوص والعملاء.

كما أن سياسة الإعمار ينبغي أن تتركز على الإنتاج الزراعي والصناعي، بما يؤمِّن قدرًا كافيًا من الغذاء يمكِّن الليبيين من البقاء، مع تأجيل المشروعات الأخرى -رغم أهميتها- لأنها لن تسهم بشكل عاجل في حل مشاكل الناس اليومية، ولن تؤثر مباشرة في الاقتصاد المنهار.

وخلاصة القول: إن أكثر ما يهدد ليبيا ليس فقط التقسيم أو التوطين أو قيام دولة فاشلة، بل الجوع.

ففي القرن الماضي عانى الليبيون من مجاعتين، إحداهما في بدايته، والأخرى في منتصفه. فليكن شعار النخب الوطنية: معًا لمحاربة الفقر، والعمل لإنقاذ الاقتصاد الليبي.

زر الذهاب إلى الأعلى