مقالات الرأي

المواطن الليبي في مواجهة ذهب متراجع ودينار يتآكل

عثمان الدعيكي

شهدت أسعار الذهب والفضة خلال اليومين الماضيين تراجعًا ملحوظًا في الأسواق العالمية، حيث انخفض سعر الذهب بنسبة فاقت 11% لينخفض إلى ما دون 4900 دولار للأونصة، متجاوزًا أكبر الانخفاضات اليومية التي شهدها أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008 وأكبر انخفاض يومي منذ أوائل الثمانينيات، بينما هوَت الفضة بأكثر من 30% مسجلة أكبر تراجع يومي لها على الإطلاق، مع امتداد موجة البيع عبر أسواق المعادن الأوسع، متأثرة بارتفاع قيمة الدولار الأمريكي وتشدد السياسات النقدية العالمية.

هذا التراجع، الذي يُنظر إليه في كثير من الدول كفرصة للشراء، حمل في ليبيا أبعادًا أكثر تعقيدًا، وانعكس بشكل مباشر على شريحة لابأس بها من المواطنين الذين اتجهوا إلى الذهب كوسيلة اضطرارية لحماية مدخراتهم من التدهور المستمر في قيمة الدينار الليبي.


خلال السنوات الأخيرة، فقد الدينار الليبي جزءًا كبيرًا من قوته الشرائية، حيث تراجع سعر صرفه في السوق الموازية إلى مستويات تجاوزت 10 دنانير للدولار الواحد في بعض الفترات، وسط ارتفاع معدلات التضخم التي قدرتها تقارير اقتصادية محلية بأكثر من 20‎%‎ سنويًّا.

وفي ظل غياب أدوات ادخارية آمنة، وضعف الثقة في السياسات النقدية، وجد المواطن الليبي نفسه مجبرًا على البحث عن بدائل لحفظ قيمة أمواله، وكان الذهب الخيار الأكثر شيوعًا، ليس بدافع الاستثمار، بل كملاذ أخير في مواجهة تآكل الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.


غير أن التراجع العالمي في أسعار الذهب جاء في توقيت حساس، حيث تزامن مع استمرار ضعف الدينار وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما أدَّى إلى خسارة مزدوجة للمواطن الليبي، تمثلت في انخفاض القيمة السوقية للذهب من جهة، واستمرار تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية من جهة أخرى. فالمواطن الذي اشترى الذهب عندما تجاوز سعر الغرام من عيار 21 حاجز 1000 دينار في بعض المدن، وجد نفسه اليوم أمام أسعار أقل، دون أن يقابل ذلك أي تحسن في مستوى المعيشة أو انخفاض في أسعار الغذاء والخدمات


ويعود الانخفاض العالمي في أسعار الذهب والفضة إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى مستويات تقارب 5 ‎%‎، ما عزز جاذبية الدولار كوعاء ادخاري، ودفع المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من المعادن النفيسة. كما ساهمت عمليات جني الأرباح وتراجع الطلب الصناعي على الفضة، خصوصًا في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي في بعض الاقتصادات الكبرى، في زيادة الضغوط على الأسعار.


هذا الواقع انعكس بشكل قاسٍ على المواطنين الليبيين، لا سيما أصحاب الدخول المحدودة، الذين اضطر بعضهم إلى تسييل مدخراته الذهبية لتغطية نفقات المعيشة، ليواجهوا أسعار بيع أقل من تلك التي اشتروا بها، في وقت تشير فيه تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 60 ‎%‎ من الأسر الليبية تعتمد جزئيًّا على مدخراتها لمواجهة الالتزامات اليومية. ومع غياب شبكات أمان اجتماعي فعالة، تحولت الخسارة من أرقام في السوق إلى عبء اجتماعي ينعكس على الاستقرار الأسري والمعيشي.


ورغم هذا التراجع، يرى محللون أن الذهب لا يزال أقل الخيارات مخاطرة مقارنة بالاحتفاظ بالدينار الليبي، خاصة على المدى المتوسط والطويل، إذ تشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب غالبًا ما يستعيد زخمه مع تصاعد الأزمات الاقتصادية أو التوترات الجيوسياسية. وتزداد هذه الفرضية قوة في الحالة الليبية، حيث إن أي تحسن محدود في أسعار الذهب عالميًّا، بالتوازي مع استمرار ضعف الدينار، قد يخفف جزئيًّا من خسائر المواطنين.


وختاما فإن تراجع أسعار الذهب عالميًّا يعكس هشاشة الواقع الاقتصادي الليبي، حيث لم يعد المواطن قادرًا على الاستفادة من أدوات التحوط التقليدية، في ظل سياسات نقدية لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو حماية القوة الشرائية للدخل. وبين دينار يتراجع باستمرار وذهب يفقد جزءًا من قيمته، تتعمق معاناة المواطن الليبي، ما يضع ملف الإصلاح الاقتصادي والنقدي في صدارة الأولويات، ليس كخيار سياسي، بل كضرورة معيشية لا تحتمل مزيدًا من التأجيل.

زر الذهاب إلى الأعلى