الأزمة الاقتصادية: معاناة المواطن وغياب العدالة الاجتماعية

بقلم/ ناصر سعيد
لم تعد الأزمة الاقتصادية في ليبيا مجرد أرقام وتقارير مالية تُتداول في وسائل الإعلام، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يثقل كاهل المواطن ويمس تفاصيل حياته الأساسية، فقد أدى الارتفاع المستمر في الأسعار، وتذبذب سعر الصرف، وتآكل القدرة الشرائية، إلى جانب زيادة الضرائب والرسوم، إلى جعل تأمين أبسط متطلبات العيش تحديًا يوميًّا، خاصة في ظل دخول ثابتة أو متراجعة، وقد تزامن ذلك مع تدهور واضح في مستوى الخدمات العامة، من صحة وتعليم وكهرباء ومياه، ما عمّق شعور المواطن بالمعاناة وانعدام الأمان المعيشي.
ولفهم هذا الواقع المعيشي المتأزم، ينبغي العودة إلى جذور الأزمة الاقتصادية وأسبابها العميقة، إذ تعود هذه الأزمة إلى اختلالات هيكلية متراكمة يعاني منها الاقتصاد الليبي منذ العقد الأخير، غير أن حدَّتها تفاقمت أكثر بفعل الانقسام السياسي والمؤسسي، فقد أدى تعدد مراكز القرار وازدواج السياسات المالية والنقدية إلى سوء إدارة الموارد العامة، وغياب الرقابة والمساءلة، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام الفساد المالي والإداري، وأضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وكرّس حالة دائمة من عدم الاستقرار الاقتصادي انعكست مباشرة على قيمة العملة الوطنية وأسعار السلع الأساسية.
وإلى جانب هذه الاختلالات السياسية والمؤسسية، يبرز خلل بنيوي آخر يتمثل في طبيعة الاقتصاد الليبي نفسه، فمع الأسف، يعتمد الاقتصاد الليبي بشكل شبه كامل على النفط كمصدر رئيسي للدخل، في ظل غياب استراتيجية حقيقية لتنويع الاقتصاد أو دعم القطاعات الإنتاجية، وقد أدى هذا الاعتماد المفرط إلى تركّز الثروة في أيدي فئة محدودة مستفيدة من النفوذ والاحتكار، مقابل اتساع رقعة الفقر والبطالة، ونتيجة لذلك، تعمقت الفجوة الطبقية، وتحول الاقتصاد إلى منظومة تخدم المصالح الضيقة لا احتياجات المجتمع، لتغيب العدالة الاجتماعية كقيمة وسياسة عامة.
وانعكاسًا لهذه السياسات الاقتصادية غير العادلة، تراجعت قدرة الدولة على الاضطلاع بدورها الاجتماعي، ففي ظل هذا الواقع، ضعفت منظومة الحماية الاجتماعية، ولم تعد الدولة قادرة على ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطنين، فأصبحت الرعاية الصحية والتعليم الجيد والسكن اللائق امتيازات لا حقوقًا، في حين تُركت الفئات الأكثر هشاشة لمواجهة مصيرها دون دعم حقيقي، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي ويقوِّض أي أمل في تحقيق استقرار مستدام.
غير أن هذا التدهور الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن فصله عن المشهد السياسي الفاسد الذي يهيمن على إدارة الدولة، فالأزمة الاقتصادية في ليبيا ليست معزولة عن واقع سياسي مأزوم، تحكمه حكومة فقدت شرعيتها، وتسيطر عليه شبكات من الميليشيات والمافيات المالية التي حولت الدولة إلى غنيمة، إذ يُنهب المال العام عبر الرشاوى، والعقود الوهمية، والاعتمادات المستندية المضخَّمة، التي يُهرَّب جزء كبير منها إلى الخارج دون توريد فعلي للبضائع، أو عبر توريد سلع رديئة ومخالفة للمواصفات، بينما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الغلاء والفقر وانهيار الخدمات.
وانطلاقًا من هذا الواقع، يصبح من الواضح أن أي حديث عن إصلاح اقتصادي في ظل هذه المنظومة الفاسدة لا يعدو كونه تضليلًا للرأي العام. فجوهر الأزمة سياسي وأمني قبل أن يكون ماليًّا أو تقنيًّا، ولا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي دون معالجة الأسباب الجذرية التي أدت إلى هذا الانهيار الشامل.
ومن هنا، فإن الخروج الحقيقي من الأزمة يتطلب مسارًا وطنيًّا جديدًا يبدأ بإنهاء هذا الواقع الفاسد، وإسقاط الحكومة غير الشرعية، ووضع حد لسطوة الميليشيات والمافيات على القرارين السياسي والاقتصادي. كما يستوجب هذا المسار تجفيف منابع الفساد، ومحاسبة جميع المتورطين في نهب المال العام أمام قضاء مستقل وعادل، دون استثناء أو حصانة.
ختامًا، يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية في ليبيا ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات فاسدة وخيارات خاطئة، يمكن تصحيحها متى توافرت الإرادة السياسية، وتوحَّدت المؤسسات، وأُعيد الاعتبار لدور الدولة والقانون، إن الانتقال من اقتصاد الريع والامتيازات إلى اقتصاد الإنتاج والعدالة الاجتماعية يمثل السبيل الوحيدة لاستعادة ثقة المواطن، وتحقيق الاستقرار، وبناء مستقبل يليق بما تمتلكه ليبيا من إمكانات بشرية وموارد هائلة.
