القضاء طريق الدولة إلى العدالة

بقلم/ محسن بن طاهر
يعدُّ حق اللجوء إلى القضاء من الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدول الساعية إلى الاستقرار وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون، وهو حق لا غنى عنه لحماية الحقوق وصون الحريات وضمان التوازن بين الفرد والدولة، فكلما كان باب القضاء مفتوحا أمام الجميع تعزز الشعور بالإنصاف وازدادت الثقة في مؤسسات الدولة.
وفي السياق الليبي تبرز أهمية هذا الحق بشكل مضاعف في ظل ما شهدته البلاد خلال السنوات الماضية من تحديات سياسية وأمنية أثرت بشكل مباشر على مؤسسات الدولة وعلى ثقة المواطن في آليات العدالة، فغياب الاستقرار وضعف الاحتكام إلى القانون كانا من أبرز أسباب انتشار النزاعات وتعقيد المشهد العام، وهو ما يجعل إعادة الاعتبار لحق اللجوء إلى القضاء ضرورة وطنية لا خيارًا ثانويًّا.
إن تمكين المواطن الليبي من الوصول إلى القضاء بشكل آمن وعادل يمثل خطوة محورية في مسار بناء الدولة، فالقضاء هو الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بالفصل في النزاعات وحماية الحقوق بعيدًا عن منطق القوة أو فرض الأمر الواقع، وتكريس هذا الدور يسهم في الحد من النزاعات الفردية والجماعية ويعزز السلم الاجتماعي.
ولا يمكن الحديث عن حق اللجوء إلى القضاء بمعزل عن استقلال السلطة القضائية، فالقضاء المستقل هو الضامن الحقيقي لتحقيق العدالة، وهو الأساس الذي تبنى عليه ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها، فكلما كان القاضي محميًّا من الضغوط والتدخلات كان الحكم القضائي عنوانًا للإنصاف ومصدرًا للطمأنينة والاستقرار.
كما أن احترام هذا الحق يعكس مدى التزام الدولة الليبية بمبادئ دولة القانون والمؤسسات، إذ إن خضوع الجميع لأحكام القضاء دون تمييز يرسخ مبدأ المساواة أمام القانون، ويؤكد أن لا أحد فوق المساءلة، وأن الحقوق لا تحمى إلا عبر الأطر القانونية الشرعية.
وتبرز في هذا الإطار أهمية تيسير إجراءات التقاضي وتطوير المنظومة القضائية بما يضمن سرعة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة الناجزة، فتأخر العدالة يشكل عبئًا على الأفراد والمجتمع ويضعف الثقة في القضاء، وهو ما يستوجب دعمًا حقيقيًّا للمؤسسات القضائية وتوفير الإمكانات البشرية والفنية اللازمة لأداء دورها بكفاءة.
كما أن نشر الثقافة القانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الاحتكام إلى القضاء يعدان من العوامل المساندة لترسيخ هذا الحق، فالمجتمع الواعي بحقوقه وواجباته هو الأقدر على حماية القانون واحترامه والمساهمة في بناء دولة مستقرة.
إن ليبيا اليوم وهي تسعى إلى تجاوز مراحل صعبة من تاريخها تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ قيم العدالة والاحتكام إلى القانون وجعل القضاء المرجعية الأولى والأخيرة في حل النزاعات، فبناء الدولة لا يتحقق بالسلاح ولا بالانقسام، بل بالمؤسسات، وعلى رأسها مؤسسة القضاء.
ختامًا فإن صون حق اللجوء إلى القضاء في ليبيا ليس مجرد استحقاق قانوني، بل هو خيار استراتيجي لبناء دولة عادلة ومستقرة، دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصونة، وأن القانون يحميه، وأن العدالة ممكنة وقائمة على أسس واضحة وعادلة، وهو ما يشكل الطريق الآمن نحو الاستقرار والتنمية واستعادة ثقة المواطن في دولته ومستقبلها.
