مقالات الرأي

أزمة سعر الصرف من منظور قانوني


بقلم/ عبد المجيد قاسم


سعر الصرف كما عرَّفه أهل الاقتصاد هو القيمة النسبية للعملة المحلية مقابل عملة أجنبية.
وهو نوعان: سعر الصرف الاسمي، وسعر الصرف الحقيقي، أما سعر الصرف الاسمي فهو السعر الذي تتم به مبادلة عملتين نقديتين، ويتم تحديده إما عبر آلية العرض والطلب في أسواق العملات بالنسبة إلى البلدان التي قامت بتحرير أسعار صرف عملاتها الوطنية، وإما بشكلٍ مباشرٍ من خلال قرار للسلطات النقدية داخل البلدان التي لا تزال حكوماتها تمارس رقابتها على أسعار الصرف.
وأما سعر الصرف الحقيقي فهو سعر الصرف الذي يقيس القوة الشرائية الخارجية للعملة الوطنية، أي قوتها الشرائية بخصوص السلع الأجنبية، ويساوي سعر الصرف الاسمي مقسومًا على سعر الصرف الذي يسمح بتعادل القوة الشرائية.
في ليبيا نص القانون رقم (1) لسنة 2005م بشأن المصارف، في مادته رقم (32) على: “يُحدِّد المصرف أسعار صرف الدينار الليبي مُقابل العُملات الأجنبية، ويتولَّى إدارتها، وذلك بالتنسيق مع أمانة اللجنة الشعبية العامة (سابقا)، حسب التطوُّرات المالية والاقتصادية المحلِّية والدولية، وبما يُحقِّق مصالح الاقتصاد الوطني”.
بمعنى أن سعر صرف الدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية يتم التحكم فيه من مصرف ليبيا المركزي، فهو السلطة النقدية التي خولها القانون.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه من الناحية القانونية هو: هل يوجد في نصوص القانون ما يلزم مصرف ليبيا المركزي برفع أو خفض سعر الصرف للدينار الليبي بحسب الظروف، أو بمعنى آخر، ما الضوابط التي يتقيد بها مصرف ليبيا المركزي لتحديد سعر الصرف؟
في الواقع إن الضوابط اقتصادية بالدرجة الأولى، ومع ذلك فباستقراء نصوص قانون المصارف نجد أن المشرع، وقد أولى مهمة صياغة القانون لخبراء الاقتصاد ذاتهم، لم يترك الأمر دون تقنين، فنص في مادته رقم (5) على أن من اختصاصات مصرف ليبيا المركزي اتخاذ التدابير المُناسبة لمُعالجة الاضطرابات الاقتصادية أو المالية، محلِّية كانت أو دولية.
ونص في مادته رقم (36) على أنه يجب أن يُقابل مجموع قيمة النقود الورقية والمعدنية، المُتداولة بصفة دائمة، أصول مُكوَّنة من الآتي:
سبائك أو نقود ذهبية، أو عملات أجنبية قابلة للتحويل، أو حقوق السحب الخاصة، بحيث لا تقلُّ قيمة كُلِّ ذلك عن نسبة 30% من مجموع أصول الإصدار.
بمعنى أن مجموع قيمة النقود المتداولة يجب أن تكون مغطاة بذات القيمة من الأصول لدى المصرف، وكلما حدث خلل في كمية النقد المتداول وما يقابلها من غطاء، كان العلاج بتغيير قيمة النقد بما يعيد الميزان متعادلًا بين كمية النقد والغطاء المتوافر لدى المصرف، ويكون ذلك، إما بسحب كمية من النقد، كما حدث في سحب ورقتي الخمسين والعشرين دينارًا، ولم يتم تعويضهما إلا بنسب محسوبة، وإما بتغيير سعر الصرف، والتحكم في الضريبة المقررة على عمليات شراء العملة الأجنبية.
وبرغم أن الاقتصاديين لا يرون أن ثمة علاقة مباشرة بين نظام غطاء العملة ونظام سعر الصرف، بل يوصون بالابتعاد عن استخدام سعر الصرف لتصحيح هذا الخلل لأن المساس به يتسبب في عدم استقرار قيمة العملة والسماح بدخول التضخم المستورد وفقدان الثقة في العملة المحلية؛ حيث تمكن المعالجة من خلال أدوات سياسة نقدية أخرى مثل زيادة أو خفض سعر الفائدة على الودائع أو زيادة أو تقليص الائتمان المصرفي أو غير ذلك، فبرغم ذلك يظل المصرف يتصرف في حدود المتاح حسب موقعه.
فالهدف هنا هو مواجهة خلل في القيمة الحقيقية للنقد المحلي، بهدف الحيلولة دون حدوث تداعيات هذا الخلل، لأن غطاء العملة المحلية يُفترض أن يكون محسوبًا ومُقدّرًا لدى المصرف الـمُصدر، بحيث لا يقل في أي حال عن حجم النقد المتداول فعليًّا في السوق، فأي إخلال في هذه المعادلة، بزيادة الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الغطاء، يؤدي بالضرورة إلى اختلال القيمة الشرائية للعملة، ويُترجم عمليًّا في صورة تضخم، وتآكل الثقة، واضطراب في السوق النقدية.
وإذا شئنا مزيد تدقيق: فالعبرة ليست بمجرد وجود الغطاء حسابيًّا، بل بقدرته الواقعية على امتصاص النقد عند الحاجة، سواء أكان الغطاء ذهبًا، أم عملات أجنبية، أم أصولًا حقيقية قابلة للتحويل.
والأمر هنا رهين بمصدر الدولة من العملات الأجنبية وهو النفط، لذا فكل انخفاض أو ارتفاع في أسعاره له تأثيره في سعر صرف الدينار الليبي، ورهين بحجم الدين العام، فحجم المصروف يجب أن يكون في حدود المعروض من النقود.
من هنا يمكن القول إن المسؤول الأول عن انخفاض سعر صرف الدينار الليبي مُقابل العُملات الأجنبية ليس مصرف ليبيا المركزي، بل هو الواقع السياسي الليبي، ووجود حكومتين إحداهما في شرق البلاد والأخرى في غربه، وكلتاهما تتصرف بشكل منفرد، وتعمل على تعويض النقص في النقود لمواجهة المصروفات بشكل يؤثر سلبًا على هذا التوازن الذي ذكرناه آنفًا، مما يضطر مصرف ليبيا المركزي إلى القيام بما عليه القيام به لإنقاذ العملة المحلية من الانهيار وذلك بتعويض العجز عن طريق تغيير سعر الصرف.
ويُلاحظ، في هذا السياق، أن قرارات تعديل سعر الصرف في فتراتٍ سابقة كانت تُتخذ ضمن إطار تنسيقي مباشر بين مصرف ليبيا المركزي والسلطة التنفيذية وأمانة الجهة التشريعية آنذاك، من خلال اجتماعات تقابلية، بما وفَّر غطاءً سياسيًّا ومؤسسيًّا للقرار، ووزَّع تبعاته ومسؤولياته على أكثر من جهة.
أما في الوضع الراهن، فإن مصرف ليبيا المركزي يُضطر إلى اتخاذ قرارات ذات طابع سيادي في ظل غياب هذا الإطار المؤسسي الموحد، ومع تعدد جهات الصرف وتباين السياسات المالية، الأمر الذي يُحمِّله وحده كلفة القرار ونتائجه، رغم أن أسباب الخلل تتجاوز نطاق اختصاصه.
والحل في نظري يكمن في توحيد جهة الصرف، بحيث يتم تشكيل لجنة أزمة مشتركة من الحكومتين ومصرف ليبيا المركزي، يعهد إليها التحكم في الصرف بشكل يضمن تلبية الاحتياجات في إطار المتاح، أو اتخاذ إجراءات تقشفية وقتية ليتمكن الاقتصاد الليبي من التعافي بشكل تلقائي، وبغير ذلك فإن الأزمة ستتفاقم، وقد تصل إلى حدود الكارثة الاقتصادية والإفلاس.

زر الذهاب إلى الأعلى