مقالات الرأي

من إدارة النظام الدولي إلى فرض السلطة المطلقة


محمد علوش
لم تعد الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي شأنًا عابرًا أو نتيجة ظرفية لاختلال موازين القوى، بل غدت مشروعًا بنيويًّا متكاملًا، يسعى إلى إعادة إنتاج العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وفق رؤية أحادية، تقصي الآخر ولا تعترف إلا بمنطق التفوق والسيطرة، فمنذ انتهاء الحرب الباردة وتفكك المعسكر الاشتراكي، تعاملت الولايات المتحدة مع لحظة “القطب الواحد” باعتبارها نهاية التاريخ وبداية عصر الهيمنة المطلقة، لا مرحلة انتقالية نحو نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.
إن جوهر المشروع الأمريكي لا يقوم فقط على امتلاك عناصر القوة المادية، من تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي، بل على تحويل هذه القوة إلى أداة دائمة لإدارة العالم والتحكم بمساراته، فالولايات المتحدة لم تكتفِ بدور “الشرطي الدولي”، بل نصَّبت نفسها مرجعية أخلاقية وسياسية تحدد من هو الصديق ومن هو العدو، ومن يستحق الحماية ومن يكتب عليه الحصار والعقاب، وبهذا المعنى، لم تعد السيادة الوطنية قيمة محترمة، بل شرطًا مؤقتًا يسحب متى تعارض مع مصالح المركز المهيمن.
المشاريع التوسعية الأمريكية تجلت بوضوح في العقود الأخيرة عبر حروب مباشرة، وحروب غير مباشرة، وعبر أنماط جديدة من السيطرة، فغزو العراق، واحتلال أفغانستان، والتدخلات المتكررة في مناطق مختلفة من العالم، لم تكن استثناءات، بل تعبيرًا عن رؤية استراتيجية ترى في القوة العسكرية أداة طبيعية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، غير أن الفشل في تحقيق الاستقرار، وتحول هذه التدخلات إلى كوارث إنسانية وسياسية، كشف أن الهدف الحقيقي لم يكن بناء دول ديمقراطية، بل تفكيك الدول والمجتمعات، وإبقائها في حالة اعتماد دائم على الخارج.
إلى جانب القوة العسكرية، وظَّفت الولايات المتحدة أدوات الهيمنة الاقتصادية بوصفها سلاحًا لا يقل فتكًا، فالعقوبات الاقتصادية، وسياسات الإملاء عبر المؤسسات المالية الدولية، وتحكمها بمفاصل الاقتصاد العالمي، حولت لقمة عيش الشعوب إلى ورقة ضغط سياسية، وقد جرى تسويق هذه السياسات تحت عناوين “الإصلاح” و”الانفتاح” و”الاقتصاد الحر”، بينما كانت نتائجها الفعلية تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب، وتكريس التبعية، وتجريد الدول الضعيفة من قدرتها على اتخاذ قرارها الاقتصادي المستقل.
أما على مستوى النظام الدولي، فقد أسهمت الهيمنة الأمريكية في إفراغ القانون الدولي من مضمونه الأخلاقي والإنساني، فالقوانين والمواثيق تفسَّر وتطبَّق وفق معيار المصلحة، لا العدالة، تدان دول وتفرض عليها أقسى العقوبات، بينما تُمنح دول أخرى حصانة كاملة رغم ارتكابها جرائم موثقة بحق الشعوب، فقط لأنها حليفة استراتيجيًّا للولايات المتحدة، هذا الاستخدام الانتقائي للقانون الدولي لا يشكل ازدواجية معايير فحسب، بل ينسف فكرة العدالة الدولية، ويحوِّل المؤسسات الأممية إلى أدوات سياسية فاقدة للشرعية.
وفي هذا الإطار، يتجلى الدور المتنامي للهيمنة الأمريكية في السعي لفرض “السلطة المطلقة” على النظام الدولي، من خلال احتكار تعريف المفاهيم الكبرى: الديمقراطية، الإرهاب، الشرعية، وحتى حقوق الإنسان، فالديمقراطية تُقبَل حين تأتي بحلفاء، وتُرفض حين تفرز قوى مستقلة، والإرهاب يُدان حين يصدر عن خصوم، ويُغَضُّ الطرف عنه حين يمارَس من قبل حلفاء، وبهذا تتحول القيم الإنسانية إلى أدوات سياسية، تستخدم للضغط والابتزاز لا للدفاع عن الإنسان.
غير أن هذا المشروع، رغم ما يمتلكه من أدوات القوة، يواجه أزمات عميقة، فالعالم يشهد تحولات بنيوية مع صعود قوى دولية وإقليمية تسعى إلى كسر الاحتكار الأمريكي للقرار العالمي، وتنامي وعي الشعوب بخطورة نظام الهيمنة، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية الخاضعة لإرادة القطب الواحد، كما أن التناقض بين الخطاب الأمريكي حول الحرية والديمقراطية، وممارساته الفعلية القائمة على الحروب والعقوبات والدعم غير المشروط لأنظمة القمع والاحتلال، أدى إلى تآكل صورته الأخلاقية عالميًّا.
إن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على نقد الهيمنة الأمريكية أو فضح تناقضاتها، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة بلورة مشروع عالمي بديل، يقوم على التعددية الحقيقية، واحترام السيادة، والعدالة الدولية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، عالم لا تدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة والإملاء، بل بمنطق الشراكة والتوازن والمصالح المتبادلة، فالتاريخ أثبت أن الهيمنة، مهما بلغت قوتها، ليست قدرًا أبديًّا، وأن إرادة الشعوب قادرة، حين تتراكم، على كسر منطق السيطرة وفتح أفق جديد أكثر إنسانية وعدلًا.

زر الذهاب إلى الأعلى