مقالات الرأي

التعليم الطبي وصحة المجتمع

بقلم/ د. علي المبروك أبو قرين

حين ينهار التعليم الطبي، لا ينهار قطاع أكاديمي فحسب، بل يسقط آخر جدار يحمي حياة الناس، ويُكشف المجتمع صحيًا وأخلاقيًا وأمنيًا. فالتعليم الطبي ليس شأنًا جامعيًا، ولا ملفًا إداريًا، ولا سلعة استثمارية، بل هو العمود الفقري للأمان الصحي، وأي عبث به هو عبث مباشر بصحة وحياة المواطنين.

الدولة التي تفقد السيطرة على تعليمها الطبي تفقد سيادتها الصحية، مهما امتلكت من أموال أو مبانٍ أو شعارات. وفي ليبيا، لا نواجه أزمة عابرة أو اختلالًا مؤقتًا، بل انهيارًا بنيويًا صامتًا يجري تحت عناوين زائفة مثل “التوسع” و“الاستيعاب” و“الاستثمار في المستقبل”.

الأرقام وحدها كاشفة: دولة لا يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، تمتلك اليوم 22 كلية طب عامة و7 كليات خاصة في تصاعد مستمر، أي بمعدل كلية طب لكل ربع مليون نسمة، وهو رقم لا يوجد حتى في الدول ذات الكثافة السكانية العالية، فكيف بدولة محدودة السكان ومتقاربة الخصائص الوبائية؟
وفق أبسط معايير التخطيط الصحي، لا تحتاج ليبيا إلى أكثر من أربع كليات طب مكتملة البنية، بقبول لا يتجاوز 150 طالبًا سنويًا لكل كلية لتغطية الاحتياج الوطني. ومع ذلك، يُقبل اليوم آلاف الطلاب سنويًا دون مستشفيات جامعية، ودون طاقة تدريبية حقيقية، ودون أعضاء هيئة تدريس متفرغين، ما يحوّل التعليم الطبي إلى تضخم عددي فارغ يراكم الشهادات ويُفرغ الكفاءة، ويخلق جيشًا من الأطباء غير المؤهلين يهددون النظام الصحي بدل أن يعززوه.

الأخطر أن ليبيا لا تملك حتى اللحظة مستشفى جامعيًا واحدًا، لا في القطاع العام ولا الخاص، ولا مستشفى تعليميًا يعمل وفق المعايير العالمية، رغم مرور أكثر من خمسين عامًا على إنشاء أول كلية طب، ورغم إنفاق مليارات الدنانير على البنية التحتية الصحية والتعليمية. فكيف يُدرَّب طالب طب بلا مستشفى؟ وكيف يُمنح طبيب امتياز أو اختصاص بلا بيئة إكلينيكية؟ وكيف تُخرَّج دفعات كاملة دون المرور بمنظومة تدريب سريري حقيقي، في حين تشترط المعايير العالمية سريرًا تدريبيًا واحدًا لكل طالبين إلى ثلاثة طلاب كحد أدنى؟
وفي طب الأسنان، يتكرر المشهد بصورة أكثر خطورة، حيث يبلغ عدد الكليات العامة 15 كلية، ويتجاوز عدد الكليات الخاصة 10 كليات، في دولة لا تحتاج أكثر من أربع كليات فقط. فهذا التخصص يتطلب معامل متقدمة وعيادات تعليمية ونسب إشراف صارمة لا تتجاوز 8 إلى 10 طلاب لكل عضو هيئة تدريس، ومع ذلك تُقبل أعداد مضاعفة دون معامل كافية أو عيادات تعليمية أو تفرغ حقيقي، ما يعني أن التدريب يتم على الورق، أو على مرضى مستغلين، أو لا يتم أصلًا.
أما كليات الصيدلة، فقد تجاوز عددها في القطاع العام 10 كليات، وفي الخاص خمس كليات على الأقل، في حين أن الاحتياج الفعلي لا يتجاوز خمس كليات بسعة لا تزيد عن 150 طالبًا لكل كلية. ورغم ذلك، يستمر القبول العشوائي دون ربط بسوق العمل أو التصنيع الدوائي أو البحث العلمي، فتُنتج بطالة مقنّعة وشهادات بلا وظيفة، ومعرفة بلا تطبيق.

ويزداد الخطر في الدراسات العليا والتخصصات السريرية، حيث يُفترض أن يكون الحد الأدنى لعضو هيئة التدريس السريري هو الحصول على شهادة اختصاص مع ماجستير على الأقل، وأن يتم القبول بالمنافسة وفق طاقة تدريبية محددة، وأن تكون الجهة المشرفة حصريًا هي مجلس التخصصات الطبية. لكن الواقع أن برامج تُفتح دون مدربين مؤهلين، ودون التزام بنسبة متدرب لكل مدرب، ودون مراكز تدريب معتمدة، فتتحول الشهادة العليا إلى إجراء إداري لا إلى مسار مهني حقيقي، ويُمنح المتدرب وثيقة إتمام تدريب بينما التدريب لم يبدأ أصلًا.

ويكتمل المشهد الكارثي بغياب نظام التفرغ الكامل، حيث يجمع معظم أعضاء هيئة التدريس بين العمل في الجامعات العامة والخاصة، وأكثر من مؤسسة تعليمية في الوقت نفسه، في مخالفة صريحة لمعايير الجودة العالمية التي تشترط التفرغ التام للتعليم الطبي السريري. كما يُستغل المرضى في المستشفيات الحكومية للتدريب الخاص دون ضوابط أو موافقات أو مساءلة، في تضارب مصالح صارخ يحوّل المريض إلى وسيلة ربح ويقوّض العدالة الصحية.

أما معادلة الشهادات العليا من الخارج، فتمثل إحدى أخطر نقاط الانهيار، إذ تُعادل شهادات صادرة من مؤسسات غير معتمدة في بلدانها الأصلية، دون تحقق جدي أو تواصل فعلي مع الجهات المانحة، ما يفتح الباب لتسلل تخصصات وهمية إلى النظام الصحي، ويضرب ثقة المجتمع في الطبيب والمؤسسة والدولة.

إن التعليم الطبي لا يُدار بالأعداد، ولا يُقاس بعدد الكليات، ولا يُخضع لقوانين السوق، لأن خطأ واحدًا من طبيب غير مؤهل قد يساوي حياة إنسان كاملة. وكل من يدافع عن هذا التوسع غير المنضبط، أو عن التعليم الطبي الخاص، أو عن التدريب الورقي، إنما يدافع عن اقتصاد غنائمي يعيش على المرض ويزدهر بالفوضى، لأن هذا النوع من “الاستثمار” لا ينمو إلا بازدياد الأخطاء والمضاعفات والعجز والوفيات.

والخلاصة التي لا تحتمل التأجيل: ليبيا تمتلك المال والقدرة والإمكانات، لكنها فقدت الحوكمة والقرار السيادي في أخطر ملف يمس حياة الناس. إن استمرار هذا المسار يعني إنتاج خطر وطني مؤجل باسم التعليم، بينما يبدأ الإصلاح الحقيقي فورًا بإيقاف القبول العشوائي، وتقليص عدد الكليات إلى الحد الأدنى، وإلغاء التعليم الطبي الخاص، وفرض التفرغ الكامل، وبناء مستشفيات جامعية حقيقية، وإعادة ضبط الدراسات العليا، وتجريم الشهادات الصورية.

فالطبيب غير المؤهل ليس مشكلة أكاديمية، بل تهديد مباشر للأمن الصحي والاجتماعي للدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى