العقد الاجتماعي والسياسات الاقتصادية والغنائمية الصحية

بقلم د.علي المبروك أبوقرين
في زمن ما قبل النفط كان المرض امتحان الفقر والعجز معًا. وحين يعجز المريض وأهله عن العلاج لا يبقى سوى الطب الشعبي مثل الأحجبة والتعاويذ والحجامة والخلطات العشبية وغير من طرق وأساليب تقليدية، أو انتظار القدر بصمت ثقيل. لم يكن ذلك جهل بقدر ما كان انسداد تام في الخيارات. وكان الموت آنذاك ليس اختيارًا، بل نهاية طبيعية لمسار بلا علاج، وكانت العائلات تعرف هذا الألم وتقبله مكرهة. وحتى نهاية ستينيات القرن الماضي، لم تكن هناك خدمات صحية حقيقية للحوامل بلا متابعة طبية ، ولا ولادات في مستشفيات، ولا إشراف طبي متخصص. وفي أفضل الأحوال كانت الولادة تتم على يد قابلات شعبيات، بخبرة متوارثة وليس بتأهيل علمي أو مهني، وكانت وفيات الأمهات وحديثي الولادة جزءًا صامتًا من الحياة اليومية، يُؤلم لكنه يُعتبر قدرًا. ثم جاء زمن صار فيه العلاج أرخص من المرض، بل بالمجان. وصارت الوقاية متاحة والرعاية الصحية قريبة والمستشفيات مفتوحة والطبيب حاضرًا، والدواء متوفرًا، ولم تعد التكلفة حاجزًا بين الإنسان وحقه في الحياة. وأصبحت متابعة الحوامل حقًا، والولادة الآمنة هدفًا، وتراجعت وفيات الأمهات والأطفال، لا لأن المجتمع أصبح أغنى فقط، بل لأن الدولة قررت أن الصحة أولوية. لم تكن المنظومة مثالية لكنها كانت عادلة في جوهرها والمريض يُعالج لأنه إنسان لا لأنه قادر على الدفع. في تلك المرحلة تغير وعي المجتمع وتغيرت علاقة الناس بالصحة، وتراجع الخوف الوجودي من المرض. لكن الانحدار حين يبدأ لا يعود خطوة واحدة بل سلسلة سقوط مدوي ، ومع تدهور الأوضاع العامة وانهيار النظام الصحي وتفكك الدولة وتسليع الصحة تغير كل شيء. وأصبحت الخدمات الصحية رغم تدني جودتها باهظة التكلفة. وصار المرض عبئًا ماليًا قبل أن يكون معاناة جسدية. ومع كل أزمة اقتصادية، ومع كل انخفاض في قيمة الدينار، كانت الصحة أول من يدفع الثمن . وعادت الحوامل إلى دائرة الخطر ليس بسبب غياب الأطباء أو المستشفيات بل لأن الوصول إليها أصبح مكلفا، ومحصورًا في عيادات ومصحات خاصة، لا تطالها قدرة الأسر الضعيفة اقتصاديًا. وهنا تتجلى أبشع صور الطبقية الصحية ، متابعة آمنة وولادة مريحة لمن يملك ومخاطرة وصبر وخوف لمن لا يملك، وكأن الحق في الحياة يُقاس بالرصيد البنكي. وارتفعت أسعار الأدوية والمستلزمات، وتضاعفت تكلفة العلاج في الداخل والخارج، وضاقت الخيارات أمام الناس. كثير من الأسر أنفقت دخولها كاملة ومدخراتها وباعت ما تملك، ثم استدانت ووقفت عند حافة العجز . هنا تبدأ الخيارات القاسية إما دواء رديء أو مغشوش أو مقلد أو مهرب. وإما مصحة متواضعة بلا تجهيز حقيقي. وإما كوادر غير مؤهلة. وإما انتظار معجزة. وفي هذه الدائرة المغلقة تتضاعف الأخطار. فالنظم الصحية الهشة، والمجتمعات الفقيرة أو الضعيفة اقتصاديًا، تكون أكثر عرضة لعودة الأمراض المعدية وانتشار الأوبئة، وتحول المرض الفردي إلى تهديد جماعي. وسوء التغذية والضغط النفسي والفقر وغلاء المعيشة، وارتفاع تكلفة العلاج، كلها حلقات في سلسلة واحدة من اقترب منها سقط فيها. ومرض يؤدي إلى فقر وفقر يؤدي إلى مرض ، حتى يصل الإنسان إلى لحظة يصبح فيها العلاج مستحيلًا، والاستمرار مرهقًا، والموت أقل كلفة. وحين تقف القدرة المالية حاجزًا أمام العلاج الناجع والمأمون والموثوق، يصبح السؤال الأخطر حاضرًا في الصمت هل نستطيع الاستمرار؟ أم نترك المرض يأخذ طريقه؟ وهنا وبكل قسوة يصبح الموت أرخص. ليس لأن الموت أهون بل لأن الحياة أصبحت سلعة. وليس لأن الفقد أقل ألما بل لأن العلاج صار امتيازًا ليس حقًا. وليس لأن الناس لا تحب أبناءها بل لأن النظام الصحي خذلهم. وهذا هو التحذير الحقيقي الذي يحمله هذا العنوان. أن مجتمع يُدفع أفراده إلى المفاضلة بين الكرامة والدَّين والبقاء، هو مجتمع يُستنزف من داخله. وأن وطنًا لا يستطيع أن يضمن العلاج لمواطنيه مهما كانت موارده هو وطن يعيش أزمة إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون مالية. وتاريخيًا وجيلنا يشهد لا تكاد توجد عائلة ليبية لم تفقد ابن وأكثر أو أم أو عائلًا، بسبب مرض كان يمكن علاجه لو توفرت الخدمة أو الدواء أو القدرة. هذا ليس ماضي منسي بل جرح مفتوح يتكرر بأشكال جديدة. وحين يكون الموت أرخص من العلاج فهذه ليست مأساة أفراد بل إدانة كاملة لمنظومة فقدت بوصلتها، ونسيت أن الصحة ليست بندًا في الميزانية، بل شرطًا لوجود الأمة نفسها. ولا أكتب هنا للحنين بل للإنذار. لأن الشعوب قد تصبر على الفقر وقد تتعايش مع الأزمات، لكنها حين تُترك لتختار بين المرض والموت تكون قد دخلت أخطر مراحل الانهيار .حين يكون الموت أرخص من العلاج، فالمسألة لم تعد نقص دواء، ولا ضعف مستشفى، ولا أزمة عملة. المسألة أن الدولة تراجعت خطوة عن واجبها الأساسي الأول حماية الحياة. ولا يُقاس تحضر الأمم بعدد مستشفياتها بل بقدرتها على ألا تترك مريضًا وحيدًا أمام الفاتورة. ولا تُختبر السياسات الاقتصادية بنسب النمو، بل بما إذا كان الفقير يستطيع أن يمرض دون أن يُدان، وأن يُعالج دون أن يُذل، وأن ينجو دون أن يُفلس. إن منظومة تجعل الحوامل يبحثن عن أمان الولادة بالديْن، وتجعل المرضى يختارون بين الألم والكرامة، وتترك الفقراء فريسة للأوبئة وسوء التغذية، هي منظومة لا تُخطئ إداريًا فقط بل تفشل فشلًا كاملًا.
